محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢٨١ - الخطبة الأولى
أما بعد فهذه متابعة سريعة لحديث الشفاعة، وأقول سريعة لأن ليس من شأن الحديث هنا أن يستوعب ويستقصي ويتمكث تدقيقاً:-
ثبت عندنا سابقا أن الشفاعة في الأصل ليست إلا لله وحده، وهذا واضح عقلا ونقلا، كما ثبت قرآناً أن الله عز وجل يهب لمن يشاء مقام الشفاعة بإذنه تفضّلا وتكرّما وإظهاراً لشان الشفيع عنده سبحانه من حيث صدق عبوديته، وخالص طاعته، والشفاعة من هذا المنطلق لا يمنع منها العقل أبدا، أما الشفاعة وإن كانت تبعية إذا كانت من منطلق الضغط عليه سبحانه وإلجائه فهو منزه عنها لتفرُّده بالخلق والملك والعلم والتدبير، وانتفاء أي حول أو طول عن غيره إلا من جهته وبعطائه، ولغناه تبارك وتعالى وكماله المطلق الدائم.
والشفاعة التبعية لغير الله سبحانه وبإذنه تواجه أكثر من قيد:-
صحيح أن الله سبحانه وتعالى يعطي الشفاعة التبعية لبعض عباده، ولكن هل هذه الشفاعة التبعية ثابتة مطلقا؟ أو أن عليها قيودا؟
قيد الشفعاء:
تقول الآية الكريمة: (وَ كَمْ مِنْ مَلَكٍ فِي السَّماواتِ لا تُغْنِي شَفاعَتُهُمْ شَيْئاً إِلَّا مِنْ بَعْدِ أَنْ يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَنْ يَشاءُ وَ يَرْضى) ١.
فلابد من درجة من الطاعة وإخلاصها لتأهيل العبد تأهيلًا خاصّاً لأن يكون شفيعاً عند الله مرضيا عنه رضا يمنحه هذه المنزلة. فوصول درجة الشفاعة بأن يكون للشخص شأن الشفاعة يحتاج إلى تأهيل، وليس من تأهيل للعبد عند الله إلا عبر الطاعة وإخلاصها.
ثم إن مراتب الشفاعة مختلفة، فالشفيع بدرجة قد لا يكون شفيعا بدرجة أخرى؛ إذ قد تختلف مراتب الشفاعة من حيث العدد ونوع المعاصي ودرجات الجنة، كما تختلف منازل