محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ١٩٤ - الخطبة الأولى
إلى التشبع بهذا المعنى، وأن نتوفر على ما هي حقيقة الدعاء.
في ما وعظ الله تعالى به عيسى: (يا عيسى ادعني دعاء الحزين الغريق الذي ليس له مغيث ... ولا تدعني إلا متضرِّعا إليَّ وهمك هما واحداً فإنك متى تدعني كذلك أجبتك (.
ما لم يشعر العبد وهو يدعو الله تبارك وتعالى شعور الحزن، لما ارتكبه من تفريط في حق ربه سبحانه وتعالى، ومن استدبارٍ للمولى الكريم، وما لم يشعر بالحزن لأنه في مأساة تحتوشه، ولأنه وإن كان في القصر وبين الأهل يجد أن قد تقطعت أسباب نفعه، ما لم يشعر بأن لاشىء من سفين يركبه للنجاة، وإن كانت أسباب المادة موفورة بين يديه، فهو هنا لم يعرف كونه عبدا، ولم يعرف كون ربه ربا.
حتى يكون قد عرف أحدنا ربَّه ربّاً، وأنه عبد لله سبحانه وتعالى، وحتى يكون دعاؤه صادقا من الأعماق لابد أن يستولي عليه هذا الشعور؛ شعور أن لا شىء يمكن أن ينفع مستقلًا عن الله وبغير أذنه، وأنَّ الأهل والولد، وكل الأسباب المادية الموفورة بيده لا تُمثِّل سفين نجاة، ولا سبيل فلاح. أرأيت كيف يشعر الغريق بأن لا منقذ له من نفسه أو من غيره إلا الله حين تتقطع كل الأسباب أمامه؟! الدعاء الصدق هو أن يكون أحدنا وكأنه ذلك الغريق الذي لا يرى سبيل نجاة إلا بأن يستمسك برحمة ربه، ويضرع إليه. بهذا تكون حقيقة الدعاء وإلا فهو لقلقة لسان أو ما يقاربها.
(... ولا تدعني إلا متضرعاً إليَّ وهمك همَّا واحداً ... (
لا تدعني إلَّا والشعور بذل العبودية إليَّ مستول عليك، وليس لك أكثر من قصد، منه ما للخالق، ولا أكثر من هم وتطلع منه ما للمالك، ومنه ما للملوك. أيها العبد المملوك لله لا تقصد مع الله بطلبك أحد وإن كان أفضل رسل الله، أو أقرب ملائكته إليه. والشفاعة وإن كانت ثابتة- وهي كذلك- لكن لا اعتماد على شىء بالأصيل إلَّا على الله ورحمته