محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٤١٠ - الخطبة الأولى
أنا لا أرى لنفسي قيمة عالية لو كان آخر مطافي فيما أعلم هو أن أتحول إلى جثة هامدة، وإلى جيفة منتنة، إنما تكبر ذاتي في ذاتي حينما أعلم أن هذه الذات مؤهلة إلى أن تخلد في السعادة، وإلى أن تسابق الملائكة حتى تتجاوزهم مقاما.
فالحس الأخروي لا بد أن ينعكس على الذات إيجابيا في قيمة الشعور بذاتها. الحس الأخروي يقوم عليه شعور آخر، الشعور بأن لا خسارة حيث تكون القدم على طريق الله، وأن مشاكل الدنيا مشاكل منقضية، وأن متاعبها لا يكون منها تعب صبرت عليه النفس في سبيل الله إلا وكان من ثواب الله عوضا عنه ما يسر النفس.
هذا الشعور يقي من الانهيارات النفسية أمام مصاعب الحياة، ويثبت القدم على الطريق، ويعطي قوة المقاومة والمناطحة لكل باطل وشر. ينضاف شعور آخر، هو الشعور بالزهد في هذه الحياة زهداً لا يقلل من الحركة والفاعلية فيها، ذلك أن النفس- نفس المؤمن- ترتفع مستوى، وتتعملق في الشعورُ بالقيمة حتى لا يساوي هذا الشعور بين النفس وبين الدنيا، ولا يرضى هذا الشعور للنفس أن تكون قيمتها الدنيا، فزهد الإنسان المؤمن في الدنيا في أكبر القصور ... في أبذخ حياة ... في أضخم المراكب ... في الحقول الممتدة ليس زهدا مرضيا، إنما هو الزهد الاستعلائي. نفس كبرت ورأت أنها قبس من نور الله ولا يصح لهذا القبس من نور الله أن يذوب في الطين، وإنما ينوّر هذا القبس الطين ... يرتفع بمستواه ... يعطي له مسحة الإيمان، أن يرتفع بمستوى الطين، أن يعطي للطين مسحة الإيمان، يعطي ويحرّكه في مسار العدالة، ويضفي عليه حركية في اتجاه الله يضفي على الطين ومتحولاته وكل شيء في هذه الحياة دوراً رسالياً فاعلا مربّياً، ويجعل الطين كلّه وسيلة في الاتجاه الصاعد إلى الله سبحانه وتعالى. فهو زهد لا يعطّل الحياة، وإنما زهد يفعل في الحياة من أجل هدف أكبر من الدنيا.