محراب التقوى و البصيرة - قاسم، عيسى احمد - الصفحة ٢١ - الخطبة الأولى
اللهم أعذنا من الغفلة، وجنّبنا سوء المصير، ولا تنته بنا إلى النار، وأدخلنا الجنة يا كريم يا رحيم. وصل اللهم على محمد وآله الطاهرين.
أما بعد فما خلق الله شيئا عبثا. ما خلق خلقا إلا لحكمة، وما وضع شيئا موضعا إلا بتقدير، وقد خلق الإنسان خلقا قويما، ونسّقه تنسيقا دقيقا عجيبا. وقوى الجسد، وقوى الإدراك، ودوافع النفس، وحالات الشعور وكل ما في هذا الإنسان مما دخل تركيبه، وكل قوة وضعف فيه وحتى المشكلات التي تعرضه الأحكام التشريعية التي تنظم سيرته قد جاء مقدرا موزونا يتناسب والغاية الكبيرة، والحياة المنقضية، والآخرة الممتدة، وحالة الدور الإبتلائي في الدنيا، والمآل الجزائي في الآخرة له.
والغضب حالة شعورية، ورد فعل نفسي لموقف من الغير ترى فيه النفس مسّا بكرامتها، وخدشا لشرفها، أو إضرارا بمصالحها. وهو حالة لا تخلو منها نفس إنسان سويّ بحيث يكون فاقدا لهذه الحالة الشعورية الوجدانية عند توفر أسبابها على الإطلاق. وهذا مما لم يوجدّه الله عبثاً. نعم يتفاوت الناس في الغضب كما يتفاوتون في غيره شدة وضعفا، وفي القدرة على ضبطه، وفي ما يثير غضبهم بدرجة أكبر مما يتصل من الأسباب بالمادة أو المعنى، وبشؤون البدن أو الروح، والدنيا والآخرة. وقد يكون الشذوذ بغياب حالة الغضب مطلقا إلى ما يقرب بالمرء من وضع الجماد، أو بغيابها في موارد الشرف والعرض والكرامة إلى ما يشبه به الإنسان وضع الحمار. وقد يكون الشذوذ بطغيان الغضب بالدرجة التي