تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٧٨ - رحم رحم
و مِن أَسْمائِهِ تعالَى: الرَّحْمنُ و الرَّحيمُ : بُنِيَتِ الصِّفَة الْأُولى على فَعْلانَ لأنَّ مَعْناه الكَثْرَة، و ذلِكَ لأَنَّ رَحْمَتَه وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ و هُوَ أَرْحَمُ اَلرََّاحِمِينَ * .
و قالَ الزَّجاجٌ: اَلرَّحْمََنُ * اسمٌ مِن أَسْماءِ اللَّهِ، عزَّ و جلَّ، مَذْكورٌ في الكُتُبِ الأُوَل، و لم يكُونُوا يَعْرفونَه مِن أَسْماءِ اللَّهِ تعالَى.
قالَ أَبو الحَسَنِ: أَرَاهُ يَعْني أَصْحابَ الكُتُبِ الْأُوَل، و مَعْناه عندَ أَهْلِ اللُّغةِ: ذُو الرَّحْمَةِ التي لا غايَةَ بعدَها في الرَّحْمةِ .
و رَحِيمٌ : فَعِيلٌ بمعْنَى فاعِلٍ ما قالوا: سَمِيعٌ بمعْنَى سَامِعٍ، و لا يَجُوزُ أَنْ يقالَ: رَحْمان إلاَّ للَّهِ، عزَّ و جلَّ.
و حَكَى الأَزْهرِيُّ عن أَبي العَبَّاس في قوْلِهِ تعالَى:
اَلرَّحْمََنِ اَلرَّحِيمِ * ، جَمَعَ بَيْنهما لأنَّ الرَّحْمنَ عِبْرانيٌّ، و الرَّحِيمَ عَرَبيٌّ، و أَنْشَدَ لجريرٍ:
لنْ تُدْرِكوا المَجْد أَو تَشْرُوا عَباءَكُمُ # بالخَزِّ أَو تَجْعَلُوا اليَنْبُوتَ ضَمْرانا
أَو تَتْرِكون إلى القَسَّيْنِ هِجْرَتَكُمْ # و مَسْحَكُمْ صُلْبَهُمْ رَحْمانَ قُرْبانا؟ [١]
و قالَ الجوْهَرِيُّ: هما اسْمان مُشْتَقَّان مِن الرَّحْمةِ ، و نَظِيرُهُما في اللُّغةِ نَدِيمٌ و نَدْمان، و هما بمعْنى، و يَجُوزُ تَكْريرُ الاسْمَيْن إذا اخْتَلَف اشْتِقاقهما على جهَةِ التَّوْكيدِ كما يقالُ: جادٌّ مُجِدُّ، إلاَّ أَنَّ الرَّحْمنَ اسمٌ مُخَصَّص باللَّهِ لا يَجوزُ أَن يُسَمَّى به غيرُهُ، أَلا تَرَى أَنَّه قالَ: قُلِ اُدْعُوا اَللََّهَ أَوِ اُدْعُوا اَلرَّحْمََنَ [٢] ، فعادَلَ به الاسْمَ الذي لا يَشْرَكُهُ فيه غيرُهُ.
و كانَ مُسَيْلِمَةُ الكَذَّاب يقالُ له رَحْمانُ اليَمامَةِ؛ و الرَّحِيمُ قد يكونُ بمعْنَى المَرْحومِ كما يكونُ بمعْنَى الرَّاحِم ، قالَ عَمَلَّسُ بنُ عقيلٍ:
فأَمَّا إذا عَضَّتْ بك الحَرْبُ عَضَّةً # فإنَّك مَعْطوف عليك رَحِيم [٣]
انْتَهَى.
و قالَ ابنُ عَبَّاس: هُما اسْمان رَقِيقان أَحَدُهما أَرَقّ مِن الآخرِ، فالرَّحْمن الرَّقِيقُ، و الرَّحِيمُ العَاطِفُ على خَلْقِه بالرِّزْقِ.
و في تَفْسيرِ الثَّعْلبيّ: و قد فَرَّقَ بَيْنهما قومٌ فقالوا: الرَّحْمن العاطفُ على جَمِيعِ خَلْقِه كافِرِهِم و مُؤْمِنِهم و فاجِرِهم بأَنْ خَلَقَهم و رَزَقَهم، و الرَّحِيمُ بالمُؤْمنينَ خاصَّةً بالهِدايَةِ و التَّوْفيقِ في الدُّنْيا و الرُّؤْية في العُقْبى؛ فالرَّحْمن خاصُّ اللّفْظِ عامُّ المعْنَى، و الرَّحِيمُ عامُّ اللفْظِ خاصُّ المعْنَى؛ فالرَّحْمن خاصٌّ مِن حيثُ أَنَّه لا يُسمَّى به أَحَدٌ إلاَّ اللَّهُ، عامٌّ مِن حيثُ أَنَّه يَشْملُ جَمِيعَ المَوْجوداتِ مِن طريقِ الخَلْق و الرِّزْق و النَّفْع و الدَّفْع، و الرَّحِيمُ عامٌّ مِن حيثُ اشْتِراك المَخْلُوقِين في التَّسمّي به، خاصٌّ مِن طريقِ المعْنَى لأنَّه يرجع إلى اللُّطفِ و التَّوْفيقِ، و هذا معْنَى ٦- قَوْل جَعْفرٍ الصادِقِ : الرَّحْمن اسمٌ خاصٌّ لصفَةٍ عامَّةٍ و الرَّحِيمُ اسمٌ عامٌّ لصفَةٍ خاصَّةٍ.
قلْتُ: و فيه مباحثُ اسْتَوْفَيناها في شرْحِ الرَّحْمة المسلسل بالأوّلية.
و الرَّحَمُ ، محرَّكةً: خُروجُ الرَّحِمِ مِن علَّةٍ، عن ابنِ الأعْرَابيِّ.
و الرُّحامُ ، بالضمِ: أَن تَلِدَ الشاةُ ثم لا يَسْقُطَ سَلاها، عن اللّحْيانيِّ.
و ناقَةٌ رَحِمَةٌ ، كفَرِحَةٍ، أَي رَحومٌ ، و جَمْعُ الرَّحومِ : رُحُمٌ بضمَّتَيْن.
و رجُلٌ رَحومٌ و امْرأَةٌ رَحومٌ أَي رَحِيمٌ .
و حاجبُ بنُ أَحْمدَ بنِ يَرْحُم الطَّوسِيُّ، كيَنْصُرُ، مُحَدِّثٌ مَشْهورٌ.
و جَمْعُ الرَّحِيم : الرُّحَماءُ . و جَمْعُ المَرْحَمةِ المَراحِمُ .
و الرحامةُ مَصْدرِ الرَّحِمُ بمعْنَى وصلة القَرابَة.
[١] ديوانه ص ٥٩٨ و فيه «التنوم بدل الينبوت، و البيتان في اللسان و التهذيب و التكملة، و بهامش المطبوعة المصرية: قوله: لن تدركوا الخ قال في التكملة: هكذا أنشده و فيه تغيير من وجوه أحدها: أن البيتين مقدم و مؤخر، و الثاني: أن رخمان بالخاء المعجمة، فإذن لا مدخل له في هذا التركيب، و الثالث: أن الرواية: هل تتركن، و التنوم بدل الينبوت، و مسحهم بدل و مسحكم اهـ» .
[٢] الإسراء الآية ١١٠.
[٣] اللسان و الصحاح.