تاج العروس من جواهر القاموس - المرتضى الزبيدي - الصفحة ٢٧٥ - رحم رحم
و في تَفْسيرِ الإمام أَبي إسْحق أَحْمد بن محمدِ بنِ إبْراهيم الثَّعْلبيّ: الرَّحْمَةُ إرادَة اللَّهِ الخَيْر بأَهْلِه، و هي على هذا صفَةُ ذاتٍ، و قيلَ: تَرْكُ العُقُوبَةِ لمَنْ يَسْتحقُّ العُقُوبَةَ، و إسدَاءُ الخيْرِ إلى مَن لا يَسْتحقُّ، و على هذا صفَةُ فعْلٍ.
و قوْلُ المصنِّفِ: الرَّحْمَةُ المَغْفِرَةُ، و الرَّحْمَةُ : التَّعَطُّفُ ، فيه تَخْصِيصٌ بعدَ تَعْميمٍ كما يظْهَرُ مِن سِياقِ عِبارَةِ الرَّاغِبِ.
و قوْلُه تعالَى: وَ أَدْخَلْنََاهُ فِي رَحْمَتِنََا [١] .
قالَ ابنُ جنِّي: هذا مجازٌ و فيه مِن الأَوْصافِ ثَلاثَة:
السّعَةُ و التَّشْبيهُ و التّوْكيدُ؛ أَمَّا السّعَةُ: فلأَنَّه كأَنَّه زادَ في أَسْماءِ الجِهاتِ و المَحالِّ اسْماً هو الرَّحْمَةُ .
و أَمَّا التَّشْبيهُ: فلأَنَّه شَبَّه الرَّحْمةَ و إنْ لم يَصحّ الدُّخول فيها بمَا يَجوزُ الدُّخول فيه فلذلِكَ وَضَعَها مَوْضِعَه.
و أَمَّا التَّوْكيدُ: فلأَنَّه أَخْبَرَ عن العَرَضِ بمَا يُخْبرُ به عن الجَوْهَرِ، و هذا تَغالٍ بالعَرَضِ و تَفْخيمٌ منه إذ صُيِّرَ إلى حَيِّز ما يُشاهَدُ و يُلْمَسُ و يُعايَنُ كالمَرْحَمَةِ ؛ و منه قوْلُه تعالَى:
وَ تَوََاصَوْا بِالصَّبْرِ وَ تَوََاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ [٢] ، أَي أَوْصى بعضُهم بعضاً بِرَحْمَةِ الضَّعِيفِ و التَّعَطُّف عليه. و الرُّحْمِ ، بالضَّمِ ، و الرُّحُمِ ، بضمَّتَيْن. و قالَ أَبو إسْحاق في قوْلِهِ تعالَى: وَ أَقْرَبَ رُحْماً [٣] ، أَي أَقْربَ عَطْفاً و أَمَسَّ بالقَرابَةِ؛ و أَنْشَدَ:
فلا و مُنَزِّلِ الفُرْقا # ن مالَكَ عِندَها ظُلْمُ
و كيفَ بظُلْمِ جارِيَةٍ # و منها اللينُ و الرُّحْمُ ؟ [٤]
و قالَ رُؤْبَة:
يا مُنْزِلَ الرُّحْمِ على إِدْرِيس
و قَرَأَ أَبو عَمْرو بنُ العَلاءِ: و أَقْرَبَ رُحُماً ، بالتَّثْقيلِ، و احْتَج بقوْلِ زُهَيْرٍ بمدح هَرِمَ بنِ سِنانٍ:
و من ضَرِيبتِه التَّقْوى و يَعْصِمُهُ # من سَيِّىءِ العَثَراتِ اللّهُ و الرُّحُمُ [٥]
و هو مِثْلُ عُسْرٍ و عُسُرٍ.
و الفِعْلُ مِن كُلِّها رَحِمَ ، كعَلِمَ و رَحَّمَ عليه تَرْحيماً و تَرَحَّمَ تَرَحُّماً ، و الْأُوْلَى هي الفُصْحَى، و الاسْمُ الرُّحْمَى ، بالضمّ.
قالَ له: رَحِمهُ اللّهُ ؛ و نَصُّ الجوْهرِيُّ: و قد رَحِمْتُهُ و تَرَحَّمْتُ عليه، و لم يَذْكرْ: رَحِمهُ اللّهُ، تَرْحيماً. و ظاهِرُ إطْلاقِه يدلُّ على أَنَّ: تَرَحَّمَ عليه فَصِيحةٌ، لأنَّه شَرَطَ في كتابِهِ أَنْ لا يَذْكُرَ إلاَّ ما صَحَّ عنْدَه.
و نَقَلَ شيْخُنا عن العُبابِ للصَّاغانيّ: أَنَّ تَرَحَّمْتُ عليه لَحنٌ، و الصَّوابُ رَحِمْتُه تَرْحيماً. و كذا قالَ الصَّيْدلانيُّ: إنه لا يقالُ تَرَحَّمتُ ، قالَ: و في التَّرَحّمِ معْنَى التَّكلُّفِ فلا يُطْلَقُ على اللَّهِ تعالَى. و رَدَّهُ جماعَةٌ مِن المحقِّقِيْن بأَنَّه وارِدٌ في الأَحادِيثِ الصَّحيحَةِ، و بأَنَّ صيغَةَ التَّفَعُّل ليْسَتْ خاصَّةً بالتَّكَلُّفِ، بل تكونُ لغيرِهِ كالتَّوَحُّدِ و التَّكَبُّرِ.
و نَقَلَه الشهابُ مبْسوطاً في مَوضِعَ مِن شرْحِ الشفاءِ.
و لشيخِ شيوخِنا الإمام أَبي السّرور سِيدِي العَرَبيّ الفاسِيّ في ذلِكَ رِسالَةٌ نَقَلَ خُلاصَتَها شيْخُنا سِيدِي المهديّ الفاسِيّ في شُرُوحِه لدَلائِلِ الخَيْرات انتَهَى سِياقُ شيْخنا.
قلْتُ: و في نَقْلِه عن العُبابِ نَظَرٌ لأنَّ مصنّفَه وَصَلَ إلى تَرْكيبِ بكم و بَقيَ ما بعْدَه ناقِصاً، لأنَّه اخْتَرَمَتْه المَنِيَّة كما سَبَقَ ذلِكَ، و لعلَّه ساقَ هذه العِبارَةَ في تَرْكيبٍ آخر مِن كتابِهِ بمناسَبَة، أَو في كتابٍ [٦] آخر مِن مصنَّفاتِهِ اللّغَويَّة، فتأَمَّلْ ذلِكَ.
و قوْلُه: بلْ تكونُ لغيرِهِ كالتَّوَحُّدِ و التّكَبُّرِ.
قلْتُ: أَي للمُبالَغَةِ و التّكْثيرِ، فالْأَوْلَى جَعْل هذه اللّفْظة في حدِيْث الصَّلاة مِن هذا القَبِيلِ كما حَقَّقَ ذلِكَ بعضُ
[١] الأنبياء الآية ٧٥.
[٢] البلد الآية ١٧.
[٣] الكهف الآية ٨١.
[٤] اللسان بدون نسبة و الثاني في التهذيب.
[٥] ديوانه ط بيروت ص ١٦٢ و اللسان و التهذيب و المقاييس ٢/٤٩٨.
و الصحاح و ضبطت في الديوان بالقلم بكسر الحاء.
[٦] بهامش المطبوعة المصرية: «قوله: أو في كتاب الخ لا يظهر هذا مع قوله: عن العباب» .