الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٢٥٣ - بين الزيتونة و الأزهر
الشراح و الدارسون و المعلقون من بعد، فكان من أصول كتب الدراسة بجامع الزيتونة، قرونا متتالية، و مرجع القضاء و الفتوى الذي لا محيد عنه و كان حفظه متنا عن ظهر قلب شائعا بين الطلبة. و صارت شروحه التي صنفت من بعد بمصر.
و قابل ظهور خليل بمصر ظهور شيخ الزيتونة و إمامها: ابن عرفة بتونس [١] و اشتهاره بتحقيق الفقه المالكي، نظرا و نقلا، و تصنيفه المختصر الذي قال فيه الأبي: «ما وضع في الإسلام مثله لضبطه فيه المذهب مسائل و أقوالا مع زوائد مكملة و التنبيه على مواضع مشكلة و تعريف الحقائق الشرعية»: فكانت سمعة ابن عرفة و شهرة كتبه بالغة إلى مصر، ثم كانت رحلته بنفسه، و أخذ الكثيرين بمصر عنه، و منهم الحافظ ابن حجر، و رحلة طلبته من بعده، و أخذهم عن المصريين، و أخذ المصريين عنهم، ذات أثر في وصل ما بين الطريقتين طريقة ابن عرفة، و طريقة خليل، وصلا ظهر بصورة جليلة في شرح ابن مرزوق على المختصر، إذ كثيرا ما اعتمد في شرح كلام خليل على استظهارات ابن عرفة، كما ظهر الاتصال بين الطريقتين أيضا في كتاب الشامل للشيخ بهرام، كثيرا ما أشار إلى تحقيقات ابن عرفة، كما نبه على ذلك شراحه [٢] و من يومئذ أصبح لا يرى شرح لمختصر خليل، و لا حاشية على شرح له، إلا و مدار التحقيق على كلام ابن عرفة.
و هذا الذي حصل في الفقه المالكي، في القرن الثامن، من التواصل الأزهري الزيتوني قد حصل مثله أيضا في علوم العربية. فقد ظهر بمصر، في ذلك القرن، إمام العربية: أثير الدين أبو حيان، و قد مر ذكر أخذه عن ابن عصفور بتونس، و جمال الدين بن هشام، فأظهرا في علم النحو آثارهما
[١] ترجمته في الديباج ص ٣٣٧ و نيل الابتهاج ص ٢٧٤ ط السعادة و في نيل الابتهاج أخذ ابن حجر عنه بنقل تصريح ابن حجر بذلك في أنباء الغمر.
[٢] الكامل على الشامل للسخاوي مخطوط.