الأزهر في ألف عام - الخفاجي، محمد عبد المنعم - الصفحة ٤٠ - حول الأزهر و رسالته
يتمثل في خلقهم و إرشادهم تلك القوى الحية التي نماها الإسلام و قواها فإن نحن أردنا أن نضرب بسهم في سبيل التقدم وجب علينا أن نرجع إلى أصول الإسلام الأولى فنحي تراثه و تلك الرجعة إلى ديننا الحنيف هي من رسالة الأزهر لحمتها و سداها، و جدير بالأزهر إذا أراد إحياء لذلك المجد الأثيل أن يعود سيرته الأولى من حيث الكفاح و الزعامة و أن تتمثل فيه كل المثل العليا التي بسطنا القليل منها فيما تقدم، و بذلك يستطيع أن يلهم الناس دينهم خالصا نقيا، بل خليق به بعد ذلك- إذا أراد أن يكون في الرأس- أن يتصل أتصالا وثيقا بالحركات الاجتماعية التي تدب بين المصريين و قد بينا كيف كانت رسالة الأزهر دائما مزدوجة، فهي دينية من ناحية و اجتماعية من ناحية أخرى ذلك بأن الإسلام كما أسلفنا دين يجمع بين العقائد و الشرائع يسعى لخير الجماعة في شتى الصور و يؤلف بين خلق الفرد خاصة و بين الأمة بوجه عام، لقد كان اهتمام الأزهر بالحركات الاجتماعية في مصر وحد به عليها أساسا لزعامته التي ظل الجميع يعترفون بها حتى أواخر القرن التاسع عشر و في اليوم الذي يعتزل الأزهر فيه الحياة العامة يضحي من سلطانه الذي كفله الدين نفسه و الذي عنا له المصريون خلال الأحداث التي اكتظ بها تاريخهم الطويل الحافل، و يعتزل الأزهر الحياة العامة إذا هو اطمأن إلى القيود التي تعوق التقدم فإن ذلك لا يتفق مع روح الإسلام نفسه و مصر- ككل جزء من أجزاء الأرض- ما زالت تنشد الإيمان و الخير و الحرية لكل المصريين إذ يتشبثون بتلك المبادىء يتلفتون ذات اليمين و ذات اليسار يريدون أن يجدوا ملجأ فيطمئنوا إليه و يعتصموا به.
فجدير بالأزهر إذا أن يساهم في كل نواحي الحياة المصرية و أن يكون- كما كان في القرن التاسع عشر- قوة دافعة تستمد من قوة الدين و الحق، إن زعامة الأزهر لنواحي النشاط في مصر سوف تنتج خيرا شاملا، ذلك لأن التقدم المادي ينتهي دائما بكفاح يخلو من المثل الأعلى، و كل كفاح يخلو من المثل الأعلى يؤدي حتما إلى الفناء كالنار تأكل نفسها، و قد