مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ٣١٩ - فصل في أحكام الأموات
مما تقدم و هو الندم الواقع بين العلم و العمل انما الكلام في معنى الاستغفار و لعل المراد منه هو الإنابة إذ هي غير التوبة فالتوبة هي الرجوع عن الذنب الى اللّه سبحانه و الإنابة هي الرجوع اليه تعالى عن المباحات أيضا و هي تتم بأمور (الأول) التوجه اليه تعالى بكل قلبه حتى يستغرق القلب في فكره بحيث لا يبقى فيه محل لغيره (الثاني) ان لا يكون خاليا عن ذكره و ذكر نعمه و مواهبه و ذكر صفاته و أفعاله و هذا مما يترتب على الأول حيث انه نتيجة استغراق القلب (الثالث) ان يواظب على طاعاته و عباداته خالصا له تعالى و هذا أيضا من ثمرات الاستغراق و لعل الإنابة بهذا المعنى هي توبة خاص الخاص أو أخصهم و ليست عاما للجميع رزقنا اللّه تعالى إياها بمنّه و كرمه.
و على الثاني أي اتحاد معنى التوبة و الاستغفار فلا إشكال في عدم تحقق التوبة بمجرد التلفظ بصيغة الاستغفار و في كفاية مجرد الندم أو الحاجة الى صيغة الاستغفار (وجهان) من إطلاق كفاية الندم في التوبة مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله كفى بالندم توبة و مما يدل على كون دواء الذنوب الاستغفار مثل قوله صلّى اللّه عليه و آله لا كبيرة مع الاستغفار و قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دواء الذنوب الاستغفار و قوله ما أصر من استغفر و قول الصادق عليه السّلام ان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم كان يتوب الى اللّه و يستغفره في كل يوم و ليلة مأة مرة.
(الأمر السابع) قد عرفت في الأمر الخامس ان التوبة هي الندم الحاصل بعد العلم بمضرة الذنوب و قبل العمل لا المجموع المركب من العلم و الحال و العمل و لا الندم المشروط بالعلم المتقدم عليه و العمل المتأخر عنه و هذا هو الحقيق بالتصديق في تفسير التوبة لكنه ربما يقال باعتبار العزم على عدم العود إلى المعصية فيها و ربما يقال بعدمه و حقق الشيخ الأكبر (قده) في رسالة العدالة بأنه ان كان المراد بالعزم القصد الذي لا يتحقق الا بعد الوثوق بحصول ما عزم عليه فاعتباره مما لا دليل عليه و انه يستلزم امتناع التوبة ممن لا يثق من نفسه بترك المعصية عند الابتلاء بها فبقي إطلاق ما يدل على كون الندم توبة سليما عن المقيد و ان أريد تحقق ارادته بعدم عوده إلى المعصية و ان لم يثق بحصول مراده فهو مما لا ينفك عن الندم (انتهى).