مصباح الهدى في شرح العروة الوثقى - الآملي، الشيخ محمد تقى - الصفحة ٣١٥ - فصل في أحكام الأموات
جامع السعادات.
و اما العقل فقد استدل المحقق الطوسي (قده) لوجوبها بوجهين (أحدهما) ان التوبة دافعة للضرر و دفع الضرر واجب عقلا (و ثانيهما) وجوب الندم على كل فعل قبيح أو الإخلال بالواجب و مرجع الأول إلى التمسك بحكم العقل بوجوب دفع الضرر و مرجع الثاني إلى قاعدة الحسن و القبح العقليين و الأظهر الاستدلال بما في كتب الأخلاق من ان الواجب العقلي هو ما يتوقف عليه الوصول إلى سعادة الأبد التي خلق الإنسان لأجله و لا ريب انه لا سعادة إلا في لقاء اللّه تعالى و الانس به و لا يبعد عنه الا اتباع الشهوات و الانس بالدنيا و الاكباب عليها و من المعلوم ان الانصراف عن طريق البعد واجب متحتم للوصول إلى السعادة التي خلق لأجلها و هو اى الانصراف لا يتم إلا بالتوبة فتكون التوبة حينئذ واجبة.
(و بالجملة) فلا إشكال في وجوب التوبة عقلا و فضلها شرعا الا انه يجب ذكر أمور (الأول) ان وجوبها الشرعي هل هو إرشادي لا يترتب عليه شيء إلا الإرشاد إلى حكم العقل بلزومها بالملاك المتقدم أو انه مولوي يكون امتثاله اطاعة يترتب عليها الثواب و مخالفته عصيانا يستحق به العقاب كوجوب رد الوديعة و نحوه (وجهان) أقواهما (الأول) لأن وجوبها العقلي و حكم العقل بلزومها في مرتبة الإطاعة و ما يكون في ناحية معلولات الاحكام و كلما كان كذلك يستحيل فيه اعمال المولوية للزوم التسلسل فيكون الأمر بالتوبة شرعا كالأمر بالإطاعة و النهي عن المعصية مما يجب حملهما على الإرشاد و الا يلزم ان يكون للأمر بالإطاعة أو النهي عن المعصية اطاعة أو عصيان و هو مستلزم للتسلسل فالأمر بالتوبة إذا كان مولويا يكون في مخالفته عصيان فيحتاج إلى التوبة عن عصيانه و تكون التوبة عن عصيانها أيضا واجبا مولويا حسب الفرض فيتسلسل.
(الثاني) لا إشكال في وجوب التوبة عن المعاصي الكبيرة و اما الصغائر ففي وجوب التوبة عنها خلاف و تحقيق الكلام في ذلك ان يقال اما بالنسبة إلى المقصد الأصلي و الغاية القصوى اعنى الوصول إلى الغاية المطلوبة في خلقة الإنسان.