البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٧٣ - الأنفال آية ٣٠
نَقْصَعَ [١] الْبَعِيرَ بِأَطْرَافِ الرِّمَاحِ،فَيُوشِكُ أَنْ يَقْطَعَهُ بَيْنَ الدَّكَادِكِ [٢] إِرْباً إِرْباً.
قَالَ صَاحِبُ رَأْيِهِمْ:إِنَّكُمْ لَمْ تَصْنَعُوا بِقَوْلِكُمْ هَذَا شَيْئاً،أَ رَأَيْتُمْ إِنْ خَلَصَ بِهِ الْبَعِيرُ سَالِماً إِلَى بَعْضِ الْأَفَارِيقِ، فَأَخَذَ بِقُلُوبِهِمْ بِسِحْرِهِ وَ بَيَانِهِ وَ طَلاَقَةِ لِسَانِهِ،فَصَبَا الْقَوْمُ إِلَيْهِ وَ اسْتَجَابَ لَهُ القَبَائِلُ قَبِيلَةً بَعْدَ قَبِيلَةٍ،فَلْيَسِيرُنَّ حِينَئِذٍ إِلَيْكُمْ بِالْكَتَائِبِ وَ الْمَقَانِبِ [٣]،فَلْتَهْلِكُنَّ كَمَا هَلَكَتْ إِيَادٌ وَ مَنْ كَانَ قَبْلَكُمْ،قُولُوا قَوْلَكُمْ.
فَقَالَ لَهُ أَبُو جَهْلٍ:لَكِنْ أَرَى لَكُمْ رَأْياً سَدِيداً،وَ هُوَ أَنْ تَعَمَّدُوا إِلَى قَبَائِلِكُمُ الْعَشْرِ،فَتَنْتَدِبُوا مِنْ كُلِّ قَبِيلَةٍ رَجُلاً نَجْداً [٤]،ثُمَّ تُسَلِّحُوهُ حُسَاماً عَضْبَا [٥]،وَ تَمَهَّدُ الْفِتْيَةُ حَتَّى إِذَا غَسَقَ اللَّيْلُ وَ غَوَّرَ [٦]،بَيَّتُوا بِابْنِ أَبِي كَبْشَةَ بَيَاتاً، فَتَفَرَّقَ [٧] دَمُهُ فِي قَبَائِلِ قُرَيْشٍ جَمِيعاً،فَلاَ يَسْتَطِيعُ بَنُو هَاشِمٍ وَ بَنُو الْمُطَّلِبِ مُنَاهَضَةَ قَبَائِلِ قُرَيْشٍ جَمِيعاً فِي صَاحِبِهِمْ،فَيَرْضَوْنَ مِنَّا الدِّيَةَ فَنُعْطِيهِمْ دِيَتَيْنِ [٨].فَقَالَ صَاحِبُ رَأْيِهِمْ:أَصَبْتَ،يَا أَبَا الْحَكَمِ.ثُمَّ أَقْبَلَ عَلَيْهِمْ،فَقَالَ:
هَذَا الرَّأْيُ فَلاَ تَعْدِلُنَّ بِهِ رَأْياً،وَ أَوْكِئُوا [٩] فِي ذَلِكَ أَفْوَاهَكُمْ حَتَّى يَسْتَتِبَّ أَمْرُكُمْ.
فَخَرَجَ الْقَوْمُ عِزِينَ [١٠]،وَ سَبَقَهُمْ بِالْوَحْيِ بِمَا كَانَ مِنْ كَيْدِهِمْ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَتَلاَ هَذِهِ الْآيَةَ عَلَى رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): وَ إِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِيُثْبِتُوكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ أَوْ يُخْرِجُوكَ وَ يَمْكُرُونَ وَ يَمْكُرُ اللّٰهُ وَ اللّٰهُ خَيْرُ الْمٰاكِرِينَ فَلَمَّا أَخْبَرَهُ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِأَمْرِ اللَّهِ فِي ذَلِكَ وَ وَحْيِهِ وَ مَا عَزَمَ لَهُ مِنَ الْهِجْرَةِ،دَعَا رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)عَلِيّاً(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَالَ لَهُ:«يَا عَلِيُّ،إِنَّ الرُّوحَ الْأَمِينَ هَبَطَ عَلَيَّ بِهَذِهِ الْآيَةِ آنِفاً،يُخْبِرُنِي أَنَّ قُرَيْشاً اجْتَمَعَتْ عَلَى الْمَكْرِ بِي وَ قَتْلِي،وَ إِنَّهُ أُوحِيَ إِلَيَّ عَنْ رَبِّي عَزَّ وَ جَلَّ أَنْ أَهْجُرَ دَارَ قَوْمِي،وَ أَنْ أَنْطَلِقَ إِلَى غَارِ ثَوْرٍ تَحْتَ لَيْلَتِي،وَ إِنَّهُ أَمَرَنِي أَنْ آمُرَكَ بِالْمَبِيتِ عَلَى ضِجَاعِي-أَوْ قَالَ:مَضْجَعِي-لِيَخْفَى بِمَبِيتِكَ عَلَيْهِمْ أَثَرِي،فَمَا أَنْتَ قَائِلٌ وَ صَانِعٌ؟».فَقَالَ عَلِيٌّ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ):«أَ وَ تَسْلَمَنَّ بِمَبِيتِي هُنَاكَ،يَا نَبِيَّ اللَّهِ؟».قَالَ:«نَعَمْ».فَتَبَسَّمَ عَلِيٌّ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ) ضَاحِكاً،وَ أَهْوَى لِلَّهِ إِلَى الْأَرْضِ سَاجِداً،شُكْراً لِلَّهِ لِمَا أَنْبَأَهُ [١١] بِهِ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)مِنْ سَلاَمَتِهِ،وَ كَانَ عَلِيٌّ(صَلَوَاتُ اللَّهِ عَلَيْهِ)أَوَّلَ مَنْ سَجَدَ لِلَّهِ شُكْراً،وَ أَوَّلَ مَنْ وَضَعَ وَجْهَهُ عَلَى الْأَرْضِ بَعْدَ سَجْدَتِهِ مِنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ بَعْدَ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فَلَمَّا رَفَعَ رَأْسَهُ قَالَ لَهُ:«امْضِ بِمَا أُمِرْتَ،فِدَاكَ سَمْعِي وَ بَصَرِي وَ سُوَيْدَاءُ قَلْبِي،وَ مُرْنِي بِمَا شِئْتَ،
[١] قصع:دفع و كسر.«النهاية ٤:٧٣».
[٢] الدكادك:جمع دكدك،و هو ما التبد من الرّمل بالأرض و لم يرتفع.«الصحاح-دكك-٤:١٥٨٤».
[٣] المقانب:جمع مقنب،جماعة الخيل و الفرسان،و قيل:هي دون المائة.«لسان العرب-قنب-١:٦٩٠».
[٤] النجد:الشجاع.«مجمع البحرين-نجد-٣:١٤٩».
[٥] العضب:القاطع.«لسان العرب-عضب-١:٦٠٩».
[٦] غور كلّ شيء:عمقه،و غوّر النهار:إذا زالت الشمس،و أطلقه هنا مجازا و أراد به إذا جاء منتصف الليل.
[٧] في المصدر:أتوا ابن أبي كبيشة،فاقتلوه من يد رجل يضربه،فيذهب.
[٨] في المصدر:فيرضون حينئذ بالعقل منهم.و المراد بالعقل الدية أيضا.
[٩] أوكئوا:سدّوا أو شدّوا،و المراد هنا:اسكتوا و لا تتكلموا أو تذيعوا سرّا.
[١٠] عزين:أي جماعات في تفرقة، واحدتها عزة.مفردات الراغب:٣٣٤.
[١١] في المصدر:بشره.