البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٦٩ - الأنفال آية ٣٠
فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّانِي مِنْ أَيَّامِ التَّشْرِيقِ،قَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِذَا كَانَ اللَّيْلُ فَاحْضُرُوا دَارَ عَبْدِ الْمُطَّلِبِ عَلَى الْعَقَبَةِ،وَ لاَ تُنَبِّهُوا نَائِماً،وَ لْيَنْسَلَّ وَاحِدٌ فَوَاحِدٌ،فَجَاءَ سَبْعُونَ رَجُلاً مِنَ الْأَوْسِ وَ الْخَزْرَجِ فَدَخَلُوا الدَّارَ،فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«تَمْنَعُونِّي وَ تُجِيرُونِّي حَتَّى أَتْلُوَ عَلَيْكُمْ كِتَابَ رَبِّي،وَ ثَوَابُكُمْ عَلَى اللَّهِ الْجَنَّةُ؟».
فَقَالَ سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ وَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرَامٍ:نَعَمْ-يَا رَسُولَ اللَّهِ-اِشْتَرِطْ لِرَبِّكَ وَ لِنَفْسِكَ مَا شِئْتَ.
فَقَالَ:«أَمَّا مَا أَشْتَرِطُ لِرَبِّي فَأَنْ تَعْبُدُوهُ وَ لاَ تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً،وَ أَشْتَرِطُ لِنَفْسِي أَنْ تَمْنَعُونِي مِمَّا تَمْنَعُونَ أَنْفُسَكُمْ،وَ تَمْنَعُوا أَهْلِي مِمَّا تَمْنَعُونَ أَهْلِيكُمْ وَ أَوْلاَدَكُمْ».فَقَالُوا:فَمَا لَنَا عَلَى ذَلِكَ؟فَقَالَ:«الْجَنَّةُ فِي الْآخِرَةِ، وَ تَمْلِكُونَ الْعَرَبَ،وَ تَدِينُ لَكُمُ الْعَجَمُ فِي الدُّنْيَا،وَ تَكُونُونَ مُلُوكاً فِي الْجَنَّةِ فِي الْآخِرَةِ».فَقَالُوا:قَدْ رَضِينَا.
فَقَالَ:«أَخْرِجُوا إِلَيَّ مِنْكُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً،يَكُونُونَ شُهَدَاءَ عَلَيْكُمْ بِذَلِكَ»كَمَا أَخَذَ مُوسَى مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً،فَأَشَارَ إِلَيْهِمْ جَبْرَئِيلُ،فَقَالَ:هَذَا نَقِيبٌ،وَ هَذَا نَقِيبٌ،تِسْعَةٌ مِنَ الْخَزْرَجِ،وَ ثَلاَثَةٌ مِنَ الْأَوْسِ،فَمِنَ الْخَزْرَجِ:سَعْدُ بْنُ زُرَارَةَ،وَ الْبَرَاءُ بْنُ مَعْرُورٍ،وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ حَرَامٍ-وَ هُوَ أَبُو جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ-وَ رَافِعُ بْنُ مَالِكٍ،وَ سَعْدُ بْنُ عُبَادَةَ،وَ الْمُنْذِرُ بْنُ عَمْرٍو،وَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ رَوَاحَةَ،وَ سَعْدُ بْنُ الرَّبِيعِ،وَ عُبَادَةُ بْنُ الصَّامِتِ.وَ مِنَ الْأَوْسِ:أَبُو الْهَيْثَمِ بْنُ التَّيِّهَانِ-وَ هُوَ مِنَ الْيَمَنِ-وَ أُسَيْدُ بْنُ حُضَيْرٍ [١]،وَ سَعْدُ بْنُ خَيْثَمَةَ.
فَلَمَّا اجْتَمَعُوا وَ بَايَعُوا لِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)صَاحَ إِبْلِيسُ:يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ وَ الْعَرَبِ،هَذَا مُحَمَّدٌ وَ الصُّبَاةُ مِنْ أَهْلِ يَثْرِبَ عَلَى جَمْرَةِ الْعَقَبَةِ يُبَايِعُونَهُ عَلَى حَرْبِكُمْ.فَأَسْمَعَ أَهْلَ مِنًى،وَ مَاجَتْ [٢] قُرَيْشٌ،فَأَقْبَلُوا بِالسِّلاَحِ،وَ سَمِعَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)النِّدَاءَ،فَقَالَ لِلْأَنْصَارِ:«تَفَرَّقُوا»فَقَالُوا:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَمِيلَ عَلَيْهِمْ بِأَسْيَافِنَا فَعَلْنَا، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«لَمْ أُؤْمَرْ بِذَلِكَ،وَ لَمْ يَأْذَنِ اللَّهُ لِي فِي مُحَارَبَتِهِمْ».قَالُوا-فَتَخْرُجُ مَعَنَا؟قَالَ:«أَنْتَظِرُ أَمْرَ اللَّهِ».
فَجَاءَتْ قُرَيْشٌ عَلَى بَكْرَةِ أَبِيهَا قَدْ أَخَذُوا السِّلاَحَ،وَ خَرَجَ حَمْزَةُ وَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)وَ مَعَهُمَا السُّيُوفُ فَوَقَفَا عَلَى الْعَقَبَةِ،فَلَمَّا نَظَرَتْ قُرَيْشٌ إِلَيْهِمَا،قَالُوا:مَا هَذَا الَّذِي اجْتَمَعْتُمْ لَهُ؟فَقَالَ حَمْزَةُ:مَا اجْتَمَعْنَا وَ مَا هَيَّأْنَا أَحَداً،وَ اللَّهِ لاَ يَجُوزُ هَذِهِ الْعَقَبَةَ أَحَدٌ إِلاَّ ضَرَبْتُهُ بِسَيْفِي هَذَا.فَرَجَعُوا إِلَى مَكَّةَ،وَ قَالُوا:لاَ نَأْمَنُ أَنْ يُفْسِدَ أَمْرَنَا،وَ يَدْخُلَ وَاحِدٌ مِنْ مَشَايِخِ قُرَيْشٍ فِي دِينِ مُحَمَّدٍ.
فَاجْتَمَعُوا فِي دَارِ النَّدْوَةِ،وَ كَانَ لاَ يَدْخُلُ فِي دَارِ النَّدْوَةِ إِلاَّ مَنْ قَدْ أَتَى عَلَيْهِ أَرْبَعُونَ سَنَةً،فَدَخَلَ أَرْبَعُونَ رَجُلاً مِنْ مَشَايِخِ قُرَيْشٍ،وَ جَاءَ إِبْلِيسُ فِي صُورَةِ شَيْخٍ كَبِيرِ،فَقَالَ لَهُ الْبَوَّابُ:مَنْ أَنْتَ؟فَقَالَ:أَنَا شَيْخٌ مِنْ أَهْلِ نَجْدٍ،لاَ يَعْدَمُكُمْ مِنِّي رَأْيٌ صَائِبٌ،إِنِّي حَيْثُ بَلَغَنِي اجْتِمَاعُكُمْ فِي أَمْرِ هَذَا الرَّجُلِ فَجِئْتُ لِأُشِيرَ عَلَيْكُمْ.فَقَالَ:اُدْخُلْ، فَدَخَلَ إِبْلِيسُ.
فَلَمَّا أَخَذُوا مَجْلِسَهُمْ،قَالَ أَبُو جَهْلٍ:يَا مَعْشَرَ قُرَيْشٍ،إِنَّهُ لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ مِنَ الْعَرَبِ أَعَزَّ مِنَّا،نَحْنُ أَهْلُ اللَّهِ تَغْدُو
[١] في«س»:أسد بن حصين،و في«ط»:أسيد بن حصين،كلاهما تصحيف،و الصواب ما في المتن،و هو معدود من النقباء الاثني عشر ليلة العقبة،راجع أسد الغابة ١:٩٢ و معجم رجال الحديث ٣:٢١٢.
[٢] في المصدر:و هاجت.