البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٥٧٧ - الأعراف آية ١٣٤- ١٢٩
مِنْ ذَلِكَ الْمَاءِ وَ ارْتَحَلُوا،فَبَلَغُوا أَرْضاً ذَاتَ جُرَذٍ كَثِيرٍ وَ ضَفَادِعَ فَحَطُّوا رَوَاحِلَهُمْ عِنْدَهَا،فَسُلِّطَتْ عَلَى مَزَاوِدِهِمْ وَ رَوَايَاهُمْ وَ سَطَائِحِهِمُ [١] الضَّفَادِعُ وَ الْجُرَذُ،فَخَرَقَتْهَا وَ ثَقَبَتْهَا [٢] وَ سَالَ مَاؤُهَا [٣] فِي تِلْكَ الْحَرَّةِ [٤]،فَلَمْ يَشْعُرُوا إِلاَّ وَ قَدْ عَطِشُوا وَ لاَ مَاءَ مَعَهُمْ،فَرَجَعُوا الْقَهْقَرَى إِلَى تِلْكَ الْحِيَاضَ [٥] الَّتِي كَانُوا تَزَوَّدُوا مِنْهَا تِلْكَ الْمِيَاهَ،وَ إِذَا الْجُرَذُ وَ الضَّفَادِعُ قَدْ سَبَقَتْهُمْ إِلَيْهَا فَثَقَبَتْ أُصُولَهَا [٦] وَ سَالَتْ فِي الْحَرَّةِ مِيَاهُهَا،فَوَقَعُوا [٧] آيِسِينَ مِنَ الْمَاءِ،وَ تَمَاوَتُوا وَ لَمْ يُفْلِتْ [٨] مِنْهُمْ أَحَدٌ إِلاَّ وَاحِدٌ كَانَ لاَ يَزَالُ يَكْتُبُ عَلَى لِسَانِهِ مُحَمَّداً،وَ عَلَى بَطْنِهِ مُحَمَّداً،وَ يَقُولُ:يَا رَبَّ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ،قَدْ تُبْتُ مِنْ أَذَى مُحَمَّدٍ،فَفَرِّجْ عَنِّي بِجَاهِ مُحَمَّدٍ وَ آلِ مُحَمَّدٍ.فَسَلِمَ وَ كَفَّ اللَّهُ عَنْهُ الْعَطَشَ،فَوَرَدَتْ عَلَيْهِ قَافِلَةٌ فَسَقَوْهُ وَ حَمَلُوهُ وَ أَمْتِعَةَ الْقَوْمِ وَ جِمَالَهُمْ،وَ كَانَتِ الْجِمَالُ أَصْبَرُ عَلَى الْعَطَشِ مِنْ رِجَالِهَا،فَآمَنَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)وَ جَعَلَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)تِلْكَ الْجِمَالَ وَ الْأَمْوَالَ لَهُ.
وَ أَمَّا الدَّمُ،فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)احْتَجَمَ مَرَّةً،فَدَفَعَ الدَّمَ الْخَارِجَ مِنْهُ إِلَى أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ،وَ قَالَ لَهُ:
غَيِّبْهِ.فَذَهَبَ وَ شَرِبَهُ،فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):مَا صَنَعْتَ بِهِ؟قَالَ:شَرِبْتُهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ.قَالَ:أَ وَ لَمْ أَقُلْ لَكَ غَيِّبْهُ؟فَقَالَ:غَيَّبْتُهُ فِي وِعَاءٍ حَرِيزٍ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):إِيَّاكَ وَ أَنْ تَعُودَ لِمِثْلِ هَذَا،ثُمَّ اعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ قَدْ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ لَحْمَكَ وَ دَمَكَ لِمَا اخْتَلَطَ بِلَحْمِي وَ دَمِي.فَجَعَلَ أَرْبَعُونَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ يَهْزَءُونَ بِرَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)، وَ يَقُولُونَ:زَعَمَ أَنَّهُ قَدْ أَعْتَقَ الْخُدْرِيَّ مِنَ النَّارِ،لَمَّا اخْتَلَطَ [٩] دَمُهُ بِدَمِهِ،وَ مَا هُوَ إِلاَّ كَذَّابٌ مُفْتَرٍ،وَ أَمَّا نَحْنُ فَنَسْتَقْذِرُ دَمَهُ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):أَمَا إِنَّ اللَّهَ يُعَذِّبُهُمْ بِالدَّمِ،وَ يُمِيتُهُمْ بِهِ،وَ إِنْ كَانَ لَمْ يَمُتِ الْقِبْطُ.فَلَمْ يَلْبَثُوا إِلاَّ يَسِيراً حَتَّى لَحِقَهُمُ الرُّعَافُ الدَّائِمُ،وَ سَيَلاَنُ دِمَاءٍ مِنْ أَضْرَاسِهِمْ،فَكَانَ طَعَامُهُمْ وَ شَرَابُهُمْ يَخْتَلِطُ بِالدَّمِ،فَيَأْكُلُونَهُ،فَبَقَوْا كَذَلِكَ أَرْبَعِينَ صَبَاحاً مُعَذَّبِينَ،ثُمَّ هَلَكُوا.
وَ أَمَّا السِّنِينُ وَ نَقْصٌ مِنَ الثَّمَرَاتِ،فَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)دَعَا عَلَى مُضَرَ،فَقَالَ:اَللَّهُمَّ اشْدُدْ وَطْأَتَكَ عَلَى مُضَرَ،وَ اجْعَلْهَا عَلَيْهِمْ سِنِينَ كَسِنِي يُوسُفَ.فَابْتَلاَهُمُ اللَّهُ بِالْقَحْطِ وَ الْجُوعِ،فَكَانَ الطَّعَامُ يُجْلَبُ إِلَيْهِمْ مِنْ كُلِّ نَاحِيَةٍ، فَإِذَا اشْتَرَوْهُ وَ قَبَضُوهُ لَمْ يَصِلُوا بِهِ إِلَى بُيُوتِهِمْ حَتَّى يَتَسَوَّسَ وَ يُنْتِنَ وَ يَفْسُدَ،فَيَذْهَبُ أَمْوَالُهُمْ وَ لاَ يُجْعَلُ لَهُمْ فِي الطَّعَامِ نَفْعٌ،حَتَّى أَضَرَّ بِهِمُ الْأَزْمُ [١٠] وَ الْجُوعُ الشَّدِيدُ الْعَظِيمُ حَتَّى أَكَلُوا الْكِلاَبَ الْمَيْتَةَ،وَ أَحْرَقُوا عِظَامَ الْمَوْتَى
[١] السطايح:جمع سطيحة،و هي المزادة التي من أديمين قوبل أحدهما بالآخر.«لسان العرب-سطح-٢:٤٨٤».
[٢] في المصدر:و ثقبتها.
[٣] في المصدر:و سالت مياهها.
[٤] الحرّة:أرض ذات حجارة سود نخرات كأنّها أحرقت بالنار«لسان العرب-حرر-٤:١٨٩».
[٥] في«ط»نسخة بدل:تلك البركة.
[٦] في«ط»نسخة بدل:فنقبت أفواهها و أصولها.
[٧] في المصدر:فوقفوا.
[٨] في المصدر:ينقلب.
[٩] في المصدر:لاختلاط.
[١٠] الأزم:جمع أزمّة،و هي الشدّة و القحط.«لسان العرب-أزم-١٢:١٦».