البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٦٥٠ - الأنفال آية ١١- ٢
موضع كذا و كذا،و هي تنزل غدا هاهنا،و أنا أعمل لهم،و أقضيك.فرجعا إلى رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)،فأخبراه بما سمعا،فأقبل أبو سفيان بالعير،فلما شارف بدرا تقدم العير،و أقبل وحده حتّى انتهى إلى ماء بدر،و كان بها رجل من جهينة،يقال له مجدي الجهني،فقال له:مجدي،هل لك علم بمحمّد و أصحابه؟قال:لا،قال:و اللات و العزى،لئن كتمتنا أمر محمّد لا تزال قريش لك معادية إلى آخر الدهر،فإنه ليس أحد من قريش إلاّ و له شيء في هذه العير نش فصاعدا،فلا تكتمني.فقال:و اللّه ما لي علم بمحمد،و ما بال محمّد و أصحابه بالتجار،إلاّ أني رأيت في هذا اليوم راكبين أقبلا و استعذبا من الماء،و أناخا راحلتيهما في هذا المكان و رجعا،فلا أدري من هما.فجاء أبو سفيان إلى موضع مناخ إبلهما ففت أبعار الإبل بيده،فوجد فيها النوى،فقال:هذه علائف يثرب،هؤلاء و اللّه عيون محمّد.فرجع مسرعا،و أمر بالعير فأخذ بها نحو ساحل البحر،و تركوا الطريق و مروا مسرعين.
و نزل جبرئيل على رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)فأخبره أن العير قد أفلتت،و أن قريشا قد أقبلت لتمنع عن عيرها،و أمره بالقتال،و وعده النصر،و كان نازلا بالصفراء [١]،فأحب أن يبلوا الأنصار لأنّهم إنّما وعدوه أن ينصروه في الدار،فأخبرهم أن العير قد جازت،و أن قريشا قد أقبلت لتمنع عيرها،و أن اللّه قد أمرني بمحاربتهم.فجزع أصحاب رسول اللّه(صلّى اللّه عليه و آله)من ذلك،و خافوا خوفا شديدا،
فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): «أَشِيرُوا عَلَيَّ».فَقَامَ أَبُو بَكْرٍ فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّهَا قُرَيْشٌ وَ خُيَلاَؤُهَا،مَا آمَنَتْ مُنْذُ كَفَرَتْ،وَ لاَ ذَلَّتْ مُنْذُ عَزَّتْ،وَ لَمْ تَخْرُجْ عَلَى هَيْئَةِ الْحَرْبِ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«اجْلِسْ».فَجَلَسَ،فَقَالَ:«أَشِيرُوا عَلَيَّ».فَقَامَ عُمَرُ [٢]،فَقَالَ مِثْلَ مَقَالَةِ أَبِي بَكْرٍ [٣].فَقَالَ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):«اجْلِسْ».فَجَلَسَ.
ثُمَّ قَامَ الْمِقْدَادُ(رَحِمَهُ اللَّهُ)،فَقَالَ:يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّهَا قُرَيْشٌ وَ خُيَلاَؤُهَا،وَ قَدْ آمَنَّا بِكَ وَ صَدَّقْنَاكَ،وَ شَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ!وَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَخُوضَ جَمْرَ الْغَضَا أَوْ شَوْكَ الْهَرَاسِ [٤] لَخُضْنَا مَعَكَ،وَ لاَ نَقُولُ لَكَ كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمُوسَى: فَاذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقٰاتِلاٰ إِنّٰا هٰاهُنٰا قٰاعِدُونَ [٥]وَ لَكِنَّا نَقُولُ:اِذْهَبْ أَنْتَ وَ رَبُّكَ فَقَاتِلاَ إِنَّا مَعَكُمَا مُقَاتِلُونَ.فَجَزَاهُ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)خَيْراً،ثُمَّ جَلَسَ.
ثُمَّ قَالَ:«أَشِيرُوا عَلَيَّ».فَقَامَ سَعْدُ بْنُ مُعَاذٍ،فَقَالَ:بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي-يَا رَسُولَ اللَّهِ-كَأَنَّكَ قَدْ أَرَدْتَنَا؟فَقَالَ:
«نَعَمْ».قَالَ:فَلَعَلَّكَ خَرَجْتَ عَلَى أَمْرٍ قَدْ أُمِرْتَ بِغَيْرِهِ؟قَالَ:«نَعَمْ».قَالَ:بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي،يَا رَسُولَ اللَّهِ،إِنَّا قَدْ آمَنَّا بِكَ وَ صَدَّقْنَاكَ،وَ شَهِدْنَا أَنَّ مَا جِئْتَ بِهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ،فَمُرْنَا بِمَا شِئْتَ،وَ خُذْ مِنْ أَمْوَالِنَا مَا شِئْتَ،وَ اتْرُكْ مِنْهَا مَا شِئْتَ،وَ الَّذِي أَخَذْتَ مِنْهُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِنَ الَّذِي تَرَكْتَ،وَ اللَّهِ لَوْ أَمَرْتَنَا أَنْ نَخُوضَ هَذَا الْبَحْرَ لَخُضْنَاهُ مَعَكَ.فَجَزَاهُ خَيْراً،ثُمَّ قَالَ سَعْدٌ:بِأَبِي أَنْتَ وَ أُمِّي،يَا رَسُولَ اللَّهِ،وَ اللَّهِ مَا أَخَذْتُ هَذَا الطَّرِيقَ قَطُّ،وَ مَا لِي بِهِ عِلْمٌ،وَ قَدْ خَلَّفْنَا
[١] الصفراء:واد من ناحية المدينة،كثير النخل و الزرع،بينه و بين بدر مرحلة.«معجم البلدان ٣:٤١٢».
[٢] في المصدر:الثاني.
[٣] في المصدر:الأوّل.
[٤] الهراس:شوك كأنّه حسك«لسان العرب-هرس-٦٠:٢٤٧».
[٥] المائدة ٥:٢٤.