البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٩٤ - الأنعام آية ١٥١- ١٤٦
فَلَمَّا انْصَرَفَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلَى الْمَدِينَةِ خَطَبَ أَصْحَابَهُ،وَ قَالَ:إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى اخْتَصَّ عَلِيّاً بِثَلاَثِ خِصَالٍ لَمْ يُعْطَهَا أَحَدٌ مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ،فَاعْرِفُوهَا،فَإِنَّهُ الصِّدِّيقُ الْأَكْبَرُ،وَ الْفَارُوقُ الْأَعْظَمُ،أَيَّدَ اللَّهُ بِهِ الدِّينَ وَ أَعَزَّ بِهِ الْإِسْلاَمَ وَ نَصَرَ بِهِ نَبِيَّكُمْ.
فَقَامَ إِلَيْهِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،وَ قَالَ:مَا هَذِهِ الْخِصَالُ الثَّلاَثُ الَّتِي أَعْطَاهَا اللَّهُ عَلِيّاً،وَ لَمْ يُعْطِهَا أَحَداً مِنَ الْأَوَّلِينَ وَ الْآخِرِينَ؟فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):اِخْتَصَّ عَلِيّاً بِأَخٍ مِثْلَ نَبِيِّكُمْ مُحَمَّدٍ خَاتَمِ النَّبِيِّينَ لَيْسَ لِأَحَدٍ أَخٌ مِثْلِي، وَ اخْتَصَّهُ بِزَوْجَةٍ مِثْلَ فَاطِمَةَ وَ لَمْ يَخْتَصَّ أَحَداً بِزَوْجَةٍ مِثْلِهَا،وَ اخْتَصَّهُ بِابْنَيْنِ مِثْلَ الْحَسَنِ وَ الْحُسَيْنِ سَيِّدَيْ شَبَابِ أَهْلِ الْجَنَّةِ وَ لَيْسَ لِأَحَدٍ ابْنَانِ مِثْلُهُمَا،فَهَلْ تَعْلَمُونَ لَهُ نَظِيراً،أَوْ تَعْرِفُونَ لَهُ شَبِيهاً؟ إِنَّ جَبْرَئِيلَ نَزَلَ عَلَيَّ يَوْمَ أُحُدٍ فَقَالَ:يَا مُحَمَّدُ،اسْمَعْ:لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو الْفَقَارِ،وَ لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ يُعْلِمُنِي أَنَّهُ لاَ سَيْفَ كَسَيْفِ عَلِيٍّ،وَ لاَ فَتَى هُوَ كَعَلِيٍّ،وَ قَدْ نَادَى قَبْلَ ذَلِكَ يَوْمَ بَدْرٍ مَلَكٌ يُقَالُ لَهُ رِضْوَانُ،مِنَ السَّمَاءِ الدُّنْيَا،لاَ سَيْفَ إِلاَّ ذُو الْفَقَارِ،وَ لاَ فَتَى إِلاَّ عَلِيٌّ.
إِنَّ عَلِيّاً سَيِّدُ الْمُتَّقِينَ [١] وَ إِمَامُ الْمُؤْمِنِينَ،وَ قَائِدُ الْغُرِّ الْمُحَجَّلِينَ،لاَ يُبْغِضُهُ مِنْ قُرَيْشٍ إِلاَّ دَعِيٌّ،وَ لاَ مِنَ الْعَرَبِ إِلاَّ سَفَحِيٌّ،وَ لاَ مِنْ سَائِرِ النَّاسِ إِلاَّ شَقِيٌّ،وَ لاَ مِنْ سَائِرِ النِّسَاءِ إِلاَّ سَلَقْلَقِيَّةٌ [٢].
إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَ جَلَّ جَعَلَ عَلِيّاً لِلنَّاسِ بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ،وَ بَيْنَ خَلْقِهِ[وَ بَيْنَهُ]،فَمَنْ عَرَفَهُ وَ وَالاَهُ كَانَ مُؤْمِناً،وَ مَنْ جَهِلَهُ وَ لَمْ يُوَالِهِ وَ لَمْ يُعَادِ مَنْ عَادَاهُ كَانَ ضَالاًّ،أَ فَآمَنْتُمْ يَا مَعَاشِرَ الْمُسْلِمِينَ.يَقُولُهَا ثَلاَثاً.قَالُوا:آمَنَّا وَ سَلَّمْنَا يَا رَسُولَ اللَّهِ.فَآمَنُوا بِعَلِيٍّ بِأَلْسِنَتِهِمْ،وَ كَفَرُوا بِقُلُوبِهِمْ،فَأَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ لاٰ يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسٰارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قٰالُوا آمَنّٰا بِأَفْوٰاهِهِمْ وَ لَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ [٣]فَقَالَ لَهُمْ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)ذَلِكَ بِمَشْهَدٍ مِنْ أَصْحَابِهِ:لَمْ يُحِبَّكَ-يَا عَلِيُّ-مِنْ أَصْحَابِي إِلاَّ مُؤْمِنٌ تَقِيٌّ،وَ لاَ يُبْغِضُكَ إِلاَّ مُنَافِقٌ شَقِيٌّ،وَ أَنْتَ-يَا عَلِيُّ-وَ شِيعَتُكَ الْفَائِزُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ،إِنَّ شِيعَتَكَ يَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ بِيضٌ وُجُوهُهُمْ،[وَ شِيعَةَ عَدُوِّكَ مِنْ أُمَّتِي يَرِدُونَ عَلَيَّ الْحَوْضَ سُودُ الْوُجُوهِ]،فَتَسْقِي أَنْتَ شِيعَتَكَ،وَ تَمْنَعُ عَدُوَّكَ.فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى: يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ بِمُوَالاَةِ عَلِيٍّ وَ مُعَادَاةِ عَلِيٍّ فَأَمَّا الَّذِينَ اسْوَدَّتْ وُجُوهُهُمْ أَ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمٰانِكُمْ فَذُوقُوا الْعَذٰابَ بِمٰا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ* وَ أَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَتِ اللّٰهِ هُمْ فِيهٰا خٰالِدُونَ [٤].
فَلَمَّا نَادَى[بِهَا]رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)،قَالَ الْمُنَافِقُونَ:أَلاَ إِنَّ مُحَمَّداً لاَ يَزَالُ يَرْفَعُ بِضَبْعِ عَلِيٍّ،وَ يَتْلُو عَلَيْنَا آيَةً مِنَ الْقُرْآنِ بَعْدَ آيَةِ[غَوَايَةٍ]وَ تَرْجِيحاً لَهُ عَلَيْنَا.ثُمَّ اجْتَمَعُوا لَيْلاً.فَقَالُوا:إِنَّ مُحَمَّداً خَدَعَنَا عَنْ دِينِنَا الَّذِي كُنَّا عَلَيْهِ [فِي الْجَاهِلِيَّةِ]،فَقَالَ:مَنْ قَالَ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ فَلَهُ مَا لَنَا وَ عَلَيْهِ مَا عَلَيْنَا.وَ الْآنَ قَدْ خَالَفَ هَذَا الْقَوْلَ إِلَى غَيْرِهِ،فَقَامَ خَطِيباً فَقَالَ:أَنَا سَيِّدُ وُلْدِ آدَمَ وَ لاَ فَخْرَ.فَحَمَلْنَاهَا،ثُمَّ قَالَ:عَلِيٌّ سَيِّدُ الْعَرَبِ.ثُمَّ فَضَّلَهُ عَلَى جَمِيعِ الْعَالَمِينَ مِنَ الْأَوَّلِينَ
[١] في«س»:الثقلين.
[٢] السّلقلقيّة:المرأة التي تحيض من دبرها.«لسان العرب-سلق-١٠:١٦٣».
[٣] المائدة ٥:٤١.
[٤] آل عمران ٣:١٠٦-١٠٧.