البرهان في تفسير القرآن - البحراني، السيد هاشم - الصفحة ٤٩٣ - الأنعام آية ١٥١- ١٤٦
وَ مٰا كٰانَ اللّٰهُ لِيُضِلَّ قَوْماً بَعْدَ إِذْ هَدٰاهُمْ حَتّٰى يُبَيِّنَ لَهُمْ مٰا يَتَّقُونَ [١] .
ثُمَّ أَنْشَأَ جَعْفَرُ بْنُ مُحَمَّدٍ(عَلَيْهِمَا السَّلاَمُ)مُحَدِّثاً يَقُولُ:«مَا مَضَى رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)إِلاَّ بَعْدَ إِكْمَالِ الدِّينِ وَ إِتْمَامِ النِّعْمَةِ وَ رِضَا الرَّبِّ،وَ أَنْزَلَ اللَّهُ عَلَى نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِكُرَاعِ الْغَمِيمِ [٢]: يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ وَ اللّٰهُ يَعْصِمُكَ مِنَ النّٰاسِ [٣]لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)خَافَ الاِرْتِدَادَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا يُسِرُّونَ عَدَاوَةَ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ يُعْلِنُونَ مُوَالاَتَهُ خَوْفاً مِنَ الْقَتْلِ،فَلَمَّا صَارَ النَّبِيُّ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِغَدِيرِ خُمٍّ بَعْدَ انْصِرَافِهِ مِنْ حِجَّةِ الْوَدَاعِ،انْتَصَبَ لِلْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ قَائِماً يُخَاطِبُهُمْ،فَقَالَ بَعْدَ مَا حَمِدَ اللَّهَ وَ أَثْنَى عَلَيْهِ:مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ،أَ لَسْتُ أَوْلَى بِكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ؟فَقَالُوا:اَللَّهُمَّ نَعَمْ.فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ):اَللَّهُمَّ اشْهَدْ.ثَلاَثاً.ثُمَّ قَالَ:يَا عَلِيُّ.فَقَالَ:لَبَّيْكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ.فَقَالَ لَهُ:قُمْ،فَإِنَّ اللَّهَ أَمَرَنِي أَنْ أُبَلِّغَ فِيكَ رِسَالاَتِهِ،أَنْزَلَ بِهَا جَبْرَئِيلُ يٰا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مٰا أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ وَ إِنْ لَمْ تَفْعَلْ فَمٰا بَلَّغْتَ رِسٰالَتَهُ .
فَقَامَ إِلَيْهِ عَلِيٌّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَخَذَ رَسُولُ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِضَبْعِهِ [٤] فَشَالَهُ،حَتَّى رَأَى النَّاسُ بَيَاضَ إِبْطَيْهِمَا،ثُمَّ قَالَ:مَنْ كُنْتُ مَوْلاَهُ فَعَلِيٌّ مَوْلاَهُ،اللَّهُمَّ وَالِ مَنْ وَالاَهُ وَ عَادِ مَنْ عَادَاهُ،وَ انْصُرْ مَنْ نَصَرَهُ،وَ اخْذُلْ مَنْ خَذَلَهُ-فَأَوَّلُ قَائِمٍ قَامَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ،فَقَالَ:بَخْ بَخْ لَكَ يَا عَلِيُّ،أَصْبَحْتَ مَوْلاَيَ وَ مَوْلَى كُلِّ مُؤْمِنٍ وَ مُؤْمِنَةٍ.فَنَزَلَ جَبْرَئِيلُ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)بِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَ جَلَّ: اَلْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلاٰمَ دِيناً [٥]-فَبِعَلِيٍّ أَمِيرِ الْمُؤْمِنِينَ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)فِي هَذَا الْيَوْمِ أَكْمَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَعَاشِرَ الْمُهَاجِرِينَ وَ الْأَنْصَارِ دِينَكُمْ،وَ أَتَمَّ عَلَيْكُمْ نِعْمَتَهُ،وَ رَضِيَ لَكُمُ الْإِسْلاَمَ دِيناً،فَاسْمَعُوا لَهُ وَ أَطِيعُوا لَهُ تَفُوزُوا.وَ اعْلَمُوا أَنَّ مَثَلَ عَلِيٍّ فِيكُمْ كَمَثَلِ سَفِينَةِ نُوحٍ،مَنْ رَكِبَهَا نَجَا،وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهَا غَرِقَ،وَ مَنْ تَقَدَّمَهَا مَرَقَ،وَ مَثَلُ عَلِيٍّ فِيكُمْ كَمَثَلِ بَابِ حِطَّةٍ فِي بَنِي إِسْرَائِيلَ، مَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِناً وَ نَجَا،وَ مَنْ تَخَلَّفَ عَنْهُ هَلَكَ وَ غَوَى.
فَمَا مَرَّ عَلَى الْمُنَافِقِينَ يَوْمٌ كَانَ أَشَدَّ عَلَيْهِمْ مِنْهُ،وَ قَدْ كَانَ الْمُنَافِقُونَ يُعْرَفُونَ عَلَى عَهْدِ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)بِبُغْضِ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَأَنْزَلَ عَلَى نَبِيِّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ): أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ أَنْ لَنْ يُخْرِجَ اللّٰهُ أَضْغٰانَهُمْ* وَ لَوْ نَشٰاءُ لَأَرَيْنٰاكَهُمْ فَلَعَرَفْتَهُمْ بِسِيمٰاهُمْ وَ لَتَعْرِفَنَّهُمْ فِي لَحْنِ الْقَوْلِ [٦]، وَ اللّٰهُ يَعْلَمُ إِسْرٰارَهُمْ [٧]وَ السِّرُّ بُغْضُ عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،فَمَاجَ النَّاسُ فِي ذَلِكَ الْقَوْلِ مِنْ رَسُولِ اللَّهِ(صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَ آلِهِ)فِي عَلِيٍّ(عَلَيْهِ السَّلاَمُ)،وَ قَالُوا فَأَكْثَرُوا الْقَوْلَ.
[١] التوبة ٩:١١٥.
[٢] كراع الغميم:موضع بالحجاز بين مكّة و المدينة.«معجم البلدان ٤:٤٤٣».
[٣] المائدة ٥:٦٧.
[٤] الضّبع:ما بين الإبط إلى نصف العضد من أعلاها،و شال الشيء:رفعه.
[٥] المائدة ٥:٣.
[٦] محمّد ٤٧:٢٩-٣٠.
[٧] محمّد ٤٧:٢٦.