البهجة المرضية على الفية ابن مالك - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٥٨٣
ثمّ قال ملتفتا [١] من التّكلّم إلى الغيبة (أحصى) هو فعل بمعني جمع مختصرا (من الكافية) الشّافية (الخلاصة) أى النّقاوة منها و ترك كثيرا من الأمثلة و الخلاف و جعله كتابا مستقلّا نحو ثلثها حجما، و علّة ذلك ما ذكره بقوله: (كما اقتضى) أي لأجل اقتضاء النّاظم، أي طلبه (غنى) لجميع الطّالبين (بلا خصاصة) أي بغير فقر يحصل لبعضهم و ذلك لا يحصل إلّا بما فعل، إذ الكافية بكبرها تقصر عنها همم كثير من النّاس فلا يشتغلون بها فلا يحصل لهم حظّ من العربيّة، فشبّه الجهل بالفقر من المال، و قد قيل: «العلم محسوب من الرّزق». هذا ما ظهر لي في شرح هذا البيت و لم أرمن تعرّض له.
فأحمد اللّه مصلّيا على
محمّد خير نبيّ أرسلا
و آله الغرّ الكرام البررة
و صحبه المنتخبين الخيره
(فأحمد اللّه) و أشكره عود علي ما بدأ [٢] (مصلّيا) و مسلّما (علي محمّد خير نبي أرسلا) أي أرسله اللّه إلى النّاس ليدعوهم إلي دينه مؤيّدا بالمعجزة (و آله الغرّ) جمع أغرّ، و هو من الخيل الأبيض الجبهة، أي إنّهم لشرفهم علي سائر الأمّة من غير من يستثني من الصّحابة [٣] بمنزلة الفرس الأغرّبين الخيل لشرفه علي غيره منها، و يجوز أن يكون أراد بآله أمّته- كما هو بعض الأقوال فيها. و في الحديث: «أنتم الغرّ المحجّلون يوم القيامة من آثار الوضوء» (الكرام) جمع كريم، أي الطّيّبي الأصول و النّعوت و الطّاهريها (البررة) جمع بارّ، أي ذوي الإحسان، و هو المفسّر [٤] في حديث
[١] الالتفات باب من أبواب البلاغة و جاء في الكتاب العزيز منه سورة الفاتحة حيث التفت سبحانه من الغيبة إلى الخطاب بقوله إيّاك نعبد.
[٢] يعني ربط المصنف آخر أرجوزته بأولها برابطة الحمد لقوله أول الكتاب (أحمد ربي اللّه).
[٣] لكن الحق أن قوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم إني مخلّف فيكم الثقلين المتّفق بين الفريقين لا يقبل الاستثناء.
[٤] يعني البارّ فسر في صحيح مسلم و صحيح البخاري بأن تعبد اللّه ...