البهجة المرضية على الفية ابن مالك - السيوطي، جلال الدين - الصفحة ٣٢٩
قال أبو حيّان: و قواعد النّحو تأباه، [١] لنصّهم على أنّ «حيث» لا يتصرّف، و أنّه لا يتوسّع إلّا في الظّرف المتصرّف.
قال: و الظّاهر إقرارها [٢] علي الظّرفية المجازيّة [٣] و تضمين [٤] «أعلم» معني ما يتعدّي إلى الظّرف، فالتّقدير: اللّه أنفذ علما حيث يجعل رسالته، أي هو نافذ العلم [٥] في هذه المواضع.
- أن يكون مفعولا به في مورد لا يجوز لغيره.
[١] أي: تمنع أن يكون حيث مفعولا به على السعة، لأن الظروف التي يتوسّع فيها أنما هي الظروف المتصرفة مثل يوم و شهر و دار التي تثنّي و تجمع فتوسّع فيها بمعني أنّها تقع ظرفا و غير ظرف و تقع فيما لا يقع غيره و أما حيث فليست من الظروف المتصرفة فلا سعة فيها ليجوز وقوعها مفعولا به.
[٢] أي: إبقائها على الظرفيّة لا تغييرها إلى المفعول به.
[٣] الظرفية الحقيقيّة أن يكون العامل في الظرف هو الواقع فيه نحو جلست حيث جلس زيد، فجلست عامل في حيث و واقع فيه أيضا، و المجازية أن يكون العامل في الظرف شيئا و الواقع فيه شيئا آخر، كما نحن فيه، فأن العامل في الظرف أعلم و الواقع فيه انفذ.
و في بعض النسخ (المجارية) بالراء المهملة و عليه فالمعني إبقائها على الظرفيّة الأصليّة المتعارفة لا الموسعّة المتسامحة، فحيث ظرف حقيقي و لرفع الإشكال المذكور نتصرف في (أعلم) و نضّمّنها فعلا يمكن تعديته إلى الظرف و هو انفذ.
[٤] التضمين أن نذكر كلمة من فعل أو غيره و نقصد معها كلمة أخرى، و نأتي مع المذكورة بما لا يلائمها، بل يختصّ بتلك الكلمة كقوله سبحانه في من يأكل مال اليتيم: (انما يأكلون في بطونهم نارا) فالمذكور يأكلون، و لكنّ تعديته إلى النار تدل على فعل آخر يلائم النار، و هو (يجزون) و التقدير يأكلون مال اليتيم و يجزون نارا.
فهنا المذكور (أعلم) و المقصود في ضمنه انفذ بدليل حيث، فأن حيث ظرف و أعلم لا يقع في الظرف، فالمناسب أن نقدر (انفذ) في ضمن أعلم ليمكن وقوعه في الظرف.
[٥] إنّما أول انفذ بنافذ، إذ لو بقى أفعل على معناه التفضيليّ للزم تصوّر وجود نفوذ علم لغير اللّه بجنب نفوذ علمه مع أن صفات المخلوقين لا تقاس بصفات اللّه و لا وجود لها دون وجودها، لأنّ صفاته سبحانه موجودة بالذات و صفات غيره موجودة في ظلّ صفاته لا في عرضه و بجنبه و قوله هذه المواضع أي:
مواضع جعل الرسالة.