منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ١٢٥
و آله، فقالوا: يا نبيّ اللّه، إن كان هذا بأمر من السماء، فتسليم لأمر اللّه، و إن كان برأيك و هواك، اتّبعنا رأيك و هواك، و إن لم يكن بأمر من السماء و لا برأيك و هواك، فو اللّه ما كنّا نعطيهم في الجاهليّة بسرة و لا تمرة [١] إلّا شرى أو قرى، فكيف و قد أعزّنا اللّه تعالى بالإسلام؟! فقال صلّى اللّه عليه و آله لرسوله: «أو تسمع؟» [٢].
وجه الدلالة: أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله عرض عليهم ذلك؛ ليعلم قوّتهم من ضعفهم، فلو لا جوازه عند الضعف، لما عرضه عليهم.
و أمّا إذا لم يكن الحال حال ضرورة، فإنّه لا يجوز له بذل المال، بل يجب القتال و الجهاد؛ لقوله تعالى: قٰاتِلُوا الَّذِينَ لٰا يُؤْمِنُونَ بِاللّٰهِ وَ لٰا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ إلى قوله:
حَتّٰى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ [٣].
و لأنّ فيه صغارا و هوانا، أمّا مع الضرورة، فإنّما صيّر إلى الصّغار؛ دفعا لصغار أعظم منه، من القتل و السبي و الأسر، الذي يفضي إلى كفر الذرّيّة، بخلاف حال غير الضرورة.
إذا ثبت هذا: فهل بذل المال واجب أم لا؟ الأقرب: عدم وجوبه؛ لما بيّنّا من جواز القتال ليلقى اللّه تعالى شهيدا. و إذا بذل المال، لم يملكه الآخذ؛ لأنّه يأخذه بغير حقّ، فإذا ظفر بهم بعد ذلك أخذ منهم و ردّ إلى موضعه.
إذا عرفت هذا: فإنّه يجوز أن يهادنهم عند الحاجة، على وضع شيء من حقوق المسلمين في أموال المهادنين، كما شرط رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لثقيف أن
[١] بعض النسخ: ثمرة، مكان: تمرة.
[٢] مجمع الزوائد ٦: ١٣٢، الحاوي الكبير ١٤: ٣٥٤، المجموع ١٩: ٤٤١، المغني ١٠: ٥١١، جواهر الكلام ٢١: ٢٩٢.
[٣] التوبة [٩] : ٢٩.