منتهى المطلب في تحقيق المذهب - العلامة الحلي - الصفحة ١٥٤
و لا يكفي وقوع ذلك في قلبه حتّى يكون عن أمارة تدلّ على ما خافه.
و لا تنتقض الهدنة بتيسّر الخوف، بل للإمام نقضها، و هذا بخلاف الذمّيّ إذا خيف منه الخيانة، فإنّ عقد الذمّة لا ينتقض بذلك؛ لأنّ عقد الذمّة يعقد لحقّ أهل الكتاب؛ بدليل أنّه يجب على الإمام إجابتهم إليه، و عقد الهدنة و الأمان لمصلحة المسلمين لا لحقّهم، فافترقا.
و لأنّ عقد الذمّة آكد؛ لأنّه عقد معاوضة، و لأنّه مؤبّد، بخلاف الهدنة و الأمان، و لهذا لو نقض بعض أهل الذمّة و سكت الباقون، لم ينتقض عهدهم، و لو كان في الهدنة انتقض.
و لأنّ أهل الذمّة في قبضة الإمام و تحت ولايته، و لا يخشى الضرر كثيرا من نقضهم، بخلاف أهل الهدنة، فإنّ الإمام يخاف منهم الغارة على المسلمين و الضرر الكثير منهم على المسلمين.
مسألة: إذا نقضت الهدنة لخوف الإمام و نبذ إليهم عهدهم،
فإنّه يردّهم إلى مأمنهم، ثمّ يكونون حربا، فإن كانوا لم يبرحوا [١] حصنهم جاز قتالهم بعد النبذ إليهم؛ لأنّهم في منعتهم كما كانوا قبل العقد. و إن كانوا قد نزلوا فصاروا في عسكر المسلمين، ردّهم الإمام إلى مأمنهم؛ لأنّهم دخلوا إليه من مأمنهم، فكان عليه ردّهم إليه؛ لأنّه لو لا ذلك [٢]، لكان خيانة من المسلمين، و اللّه لا يحبّ الخائنين.
إذا ثبت هذا: فإذا زال عقد الهدنة، نظر فيما زال به، فإن لم يتضمّن وجوب حقّ عليه، مثل أن يأوي لهم عينا، أو يخبرهم بخبر المسلمين و يطلعهم على عوراتهم، ردّه إلى مأمنه، و لا شيء عليه. و إن كان يوجب حقّا، فإن كان لآدميّ، كقتل نفس أو إتلاف مال، استوفي ذلك منه، و إن كان للّه تعالى محضا، كحدّ الزنا و الشرب، أقيم
[١] خا: لم ينزلوا. برح مكانه: أي زال عنه. لسان العرب ٢: ٤٠٨.
[٢] كثير من النسخ: لو كان ذلك، مكان: لو لا ذلك.