فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٤ - الإرادة الظاهريّة و الجدّية في المعاملات
أو المضطرّ أو الخائف في التقيّة يصدق التعليق التالي بأنّه لو لا الإكراه و الاضطرار و الخوف لما تقيّدوا بمقتضى العقد أو الإنشاء نظير لو لا خوف السيف لما أقرّوا بالشهادتين، و لو لا خوف السيف بقاءً لما بقوا متقيّدين و ملتزمين بأحكام الإسلام، فإن صدق هذه القضيّة التعليقيّة بعد عدم تحقّق التالي فيها لعدم تحقّق المقدّم لا ينافي وجود الإرادة الجدّية من النمط الأوّل المضادّة، و هذا شأن المتضادّين، حيث يتلائم وجود أحد الضدّين الفعلي مع إمكانيّة وجود الضدّ الآخر.
فكذلك الحال في مثال اشتراط الربا، فإنّ الزبون و العميل عند ما يقترض من البنك و يشترط على نفسه الزيادة للبنك مع عدم نصب أي قرينة على الخلاف و تقيّده عملًا بدفع الزيادة و لو بسبب إلزام القانون الوضعي، فإنّ هذا منه إرادة بنائيّة تعاقديّة بالتقيّد بالعمل، و إن كان بنحو التعليق لو لم يُلزم لما دفع فالإرادة الجدّية من النمط الأوّل صادقة، و إن لم تصدق الإرادة الجدّية من النمط الثاني.
فكيف يكون هذا استهزاءً عند العقلاء؟ أو يعدّ عندهم أنّ لديه إرادة جدّية على الخلاف من دون نصب قرينة على ذلك.
نعم، قد تكون القرينة لا يلتفت إليها المستهزئ به غالباً كما أنّنا لسنا في صدد نفي القرائن مختلفة الصنف عند العقلاء، كما في موارد التورية، المُورّى عليه لا يلتفت، و لكنّ المورّى يتعمّد بنصب القرينة الخفيّة على الخلاف، و لذلك قالوا: إنّ المورّى إذا لم ينصب أيّة قرينة لا شخصيّة و لا نوعيّة فكلامه يعدّ كذباً و ليس بتورية.
و أمّا مثال المتدرّب الذي يتعلّم كيفيّة التلفّظ فهو أيضاً لديه إرادة إيجاد اللفظ تكويناً و إن لم يكن له إرادة إيجاد المعنى، و مجرّد إيجاد الصوت لا يعتبر كلاماً، فهو يختلف عن المورّى، حيث أنّه في التورية يقصد المعنى باستعمال اللفظ فيه، أي الإرادة الاستعمالية، كما يقصد إفهام ذلك المعنى، لكنّه لا يريده جدّاً بشرط أن ينصب قرينة خفيّة على ذلك، و إلّا لعدّ كلامه كذباً.
فالإرادة الاستعماليّة و الإرادة التفهيميّة لا بدّ منهما، بل قد يكون المتعلّم للتكلّم له