فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٦٨ - قاعدة في عموم مانعيّة الغرر
إنّما هو «نهى النبيّ صلى الله عليه و آله عن بيع الغرر». و ليس «نهي النبيّ عن الغرر» كي يعمّ. و لم يعثر على رواية و لو مرسلة فيها التعميم و إن ادّعى البعض العثور عليها، فغاية ما ثبت «نهي النبيّ عن بيع الغرر». نعم، استظهر البعض عدم خصوصيّة البيع، و أنّ النهي أعمّ و إن ورد فيه.
و الصحيح أنّ الغرر مانع في كلّ العقود لا في خصوص البيع، و الوجه في ذلك هو البناء العقلائي على مانعيّة الغرر في بقيّة العقود، خلافاً لما قيل من: أنّ الغرر ليس من الشرائط العامّة في صحّة كلّ العقود، فلا نسلّم بمانعيّته في عقد التأمين.
و لا يخفى أنّ أدلّة الصحّة في العقود موضوعها المعاملة العقلائيّة العرفيّة، مثلًا:
(وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) كدليل للصحّة أخذ في موضوعه البيع العرفي لا الشرعي، و إلّا لكان تحصيلًا للحاصل.
و هذا البيع العرفي الذي يصحّحه الشارع يجب أن يكون في الرتبة السابقة واجداً للشرائط العقلائيّة العرفيّة؛ إذ بدونها لا يكون البيع في نظرهم موجوداً، فلا يكفي في البيع توفّر الشرائط الشرعيّة التأسيسيّة فقط.
نعم، العرف هاهنا بمعنى لغة القانون البشري الوضعي، و هذا باب ينفتح منه اعتبار الشروط في المعاوضات و إن لم يرد فيه نصّ خاصّ. نعم، قد يفرض أن يضيف الشارع بعض الشرائط أو يلغي بعضها، و هذا تقدير آخر.
و مانعيّة الغرر عند العقلاء غير مخصوصة بالبيع، بل في مطلق ماهيّة المعاوضة؛ إذ التعاوض نوع مساواة ماليّة بين الطرفين و لا تتمّ المعاوضة و المساواة بين المالين إلّا بالعلم بذات و قدر الطرف الآخر و تقرّره، فلا بدّ من الإحاطة بكلّ من الطرفين كي يتمكّن من عمليّة المعاوضة بينهما، و إلّا لم تكن معاوضة، بل هبة مبتدأ أو شبهها أو صلحاً لا يبتني على التعاوض، بل على التقابل بالرضا.
و لذلك قيل بجواز هدية المجهول، مثل: «وهبتك ما في الكيس»، و كذا في الوقف، و في المضاربة، و غيرها من العقود الإذنيّة، و هذا بخلاف المعاوضات.