فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٣ - الإرادة الظاهريّة و الجدّية في المعاملات
القانون الوضعي إرادة التعاقد و الالتزام العملي بمقتضى العقد أو الإيقاع أو الإقرار و الإنشاء، و الثانية الإرادة المنبعثة من ملائمة ذلك الشيء المراد، و الميل إليه، و الاستئناس به، و الانجذاب إليه. و ما هو اللازم في باب الإنشاء إنّما هو النمط الأوّل، أي الإرادة البنائيّة التعاقديّة و إرادة التقييد العملي بمقتضى العقد أو الإقرار أو الإنشاء لا الإرادة من النمط الثاني التي هي موضوع الآثار الاخرويّة التكوينيّة أو بعض الآثار الاعتباريّة الشرعيّة في هذه النشأة، و لعلّ سبب الخلط بين الإرادتين هو اشتراط الصحّة في العقود التجارية أو غيرها بصدورها عن رضى، فجعل ذلك الرضا معنى للإرادة الجدّية مع أنّ الإنشاء بتمام مراحله الشاملة للإرادة الجدّية مغاير لمنشإ صدوره عن رضى تارة أو عن إكراه و تقييد التجارة بصدورها عن تراضٍ في الأدلّة، و كذا تقييد عناوين بقيّة المعاملات و الايقاعات بصدورها عن رضى في الأدلّة شاهد على أنّ تلك العناوين في وجوداتها الإنشائيّة غير متقوّمة برضى و الإرادة الناشئة عنه.
و من ثمّ يعتدّ بالإنشاء الظاهري و الإقرار بالشهادتين ما دام المقرّ يريد التقييد بأحكام الدين إجمالًا و إن كان الداعي له خوف سطوة السيف.
و هذا الخلط بين النمطين من الإرادة وقع أيضاً في بيع المكره و المضطرّ، بل مطلق عقودهما و إيقاعاتهما، حيث استشكل الشهيد الثاني- للتمسّك لعدم نفوذ عقدهما بأدلّة الرفع- بعدم الحاجة إلى أدلّة الرفع؛ و ذلك لقصور إنشائهما في نفسه بعد عدم الإرادة الجدّية، و تابعه على ذلك جماعة من المحقّقين من محشّي المكاسب، كالسيّد اليزدي و الشيخ الاصفهاني، و الحال أنّ المكره و المضطرّ له إرادة بنائيّة تقيّديّة بمقتضى العقد، و لو بسبب الإكراه أو الاضطرار. نعم، ليس لهما إرادة من النمط الثاني.
و الحال في المضطرّ بالتقيّة كذلك في الجملة، حيث أنّه يريد المنشأ بإرادة بنائيّة تعاقديّة، أي ينوي التقيّد بالعمل بمقتضى إنشائه و لو بسبب الخوف، كما أنّه لا ينافي الإرادة الجدّية من النمط الأوّل صدق القضيّة التعليقيّة المخالفة، ففي مثال المكره