فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٢ - بحث في التعليق
ارتضى الإجماع التعبّدي، و أصرّ عليه الشيخ رحمه الله، و حيث أنّ الإجماع لبّيّ، فالقدر المتيقّن منه في غير الشروط، و في الشروط يجوز التعليق.
و استشكل البعض في تحقّق الإجماع بعد ما ذكر الفتاوى في الوكالة- ممّا يظهر منها جواز التعليق فيها- و بأنّه مدركي لذِكرهم وجوهاً عقليّة أو عرفيّة في بطلانه، فكونه تعبّدياً مشكل مع عدم تماميّة تلك الوجوه.
و لا بدّ من التنبيه على نكتة لطيفة في الإجماع، لا سيّما عند القدماء، و هي أنّ الإجماع إمّا أن يكون كاشفاً عن السيرة فهو التعبّدي، و إن لم يكن كاشفاً عن السيرة، فهو موجب للفحص و التوقّف عن العمل بمقتضى القاعدة أو العمومات إلى أن يستتمّ التتبّع في أطراف المسألة؛ لأنّه موجب لمظنّة وجود وجه تامّ قد اعتمدوا عليه، لا سيّما المنعقد عند الطبقة الاولى و الثانية لأنّه يكون منبّهاً على وجود نكتة و دليل، و إن لم يستظهره المتأخّرون، لا أنّه لم يصل إلى المتأخّرين ففائدته أنّه يلزم بالفحص بنحو أوسع لاستخراج تلك النكتة؛ لأنّ اتّفاقهم على شيء بعيد جدّاً أن يكون بمحض الصدفة أو متابعة بعضهم لبعض، و ليس مرادنا من تلك الفائدة أنّه يكون حجّة، بل المراد كونه منبّهاً و موجباً لحدوث الظنّ و عدم اليأس من العثور على دليل في المسألة، و بالتالي يكون مانعاً من التمسّك بمقتضى القاعدة أو العمومات؛ لأنّ حجّيتها مشروطة- كما هو محرّر في محلّه- باستتمام الفحص و اليأس عن دليل مقدّم على العمومات. فتحصّل أنّ الإجماع في الشقّ الثاني منبّه على وجود الاستظهار الخاصّ من الدليل الموجود في أيديهم و أيدينا و لو في مبانٍ اخرى.
الوجه الثالث: إنّ الإنشاء المعلّق محال عقلًا؛ لأنّ الإنشاء إيجاد و لا يمكن فيه التعليق، فإنّ الشيء إمّا أن يوجد فعلًا أو لا يوجد.
و أجاب عنه الشيخ رحمه الله بأنّ هذا توهّم بارد؛ لأنّ الذي نريد أن نعلّقه ليس الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ فإنّه تكويني لا يمكن فيه التعليق، فإمّا أن يوجد أو لا يوجد، بل المراد تعليق المُنَشإ- كالبيع مثلًا- و كم له من نظير كما في الجعالة و الوصيّة.