فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٩٣ - بحث في التعليق
و قيل: إنّ التعليق في الإنشاء ليس بمحال نظير الحرمة المعلّقة في مثل قوله:
«العصير العنبي إذا غلى يحرم»، و نظير الواجب المشروط حيث تقيّد الهيئة لا المادة.
و ليس من اللازم في التعليق ذكره في اللفظ مثل: «إن جاء يوم الجمعة بعتك»، بل قوله: «بعتك يوم الجمعة» و إن لم يكن فيه صورة التعليق لكنّه لبّاً كذلك.
و فيه: أنّه غفلة واضحة؛ إذ الإنشاء بمعنى استعمال اللفظ لم يقع فيه التعليق، بل هو في المنشأ، و قولهم: إنّ القيد يرجع في المشروط إلى الهيئة لا يريدون منه نفس التلفّظ بالهيئة، بل يعنون بذلك المنشأ و مفاد الهيئة كالوجوب، أمّا المادة فليست هي المنشأ، بل متعلّق المنشأ كشرب العصير.
الوجه الرابع: إنّ ظاهر (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) اللزوم و وجوب الوفاء المنجّز بمجرّد العقد، و في موارد التعليق لا يكون الوجوب منجّزاً؛ إذ المفروض أنّ البيع لا يلتزم به إلّا بعد حصول المعلّق عليه، فهناك فاصلة بين العقد و هو الإيجاب و القبول اللفظيّين- و بين وجوب الالتزام، مع أنّ ظاهر الآية الشريفة أنّه بمجرّد العقد يجب الوفاء.
و أجاب الشيخ رحمه الله عنه بأنّه إن سلّم ذلك في (أَوْفُوا بِالْعُقُودِ) فلا يسلّم في (وَ أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ) [١]؛ لأنّ (أَحَلَّ) معناه أنّ البيع سائغ يمضيه الشارع كيف ما انشئ، منجّزاً أو معلّقاً، فبعد حصول المعلّق عليه يمضيه الشارع بوجوده المنجّز أو بوجوده المعلّق، فإن كان يرد هذا الإشكال في أدلّة اللزوم فلا يرد في أدلّة الصحّة في الإنشائيّات، فإنّ أدلّة الصحّة موضوعها البيع العرفي و الماهيّة العرفيّة لا الوجود الشرعي؛ إذ لا يمكن أن يصحّح الشارع الوجود الشرعي للماهيّة، فإنّه تحصيل للحاصل، بل الشارع يصحّح الوجود العرفي. و هذا بخلاف أدلّة اللزوم، فإنّ موضوعها الوجود الشرعي للماهيّة؛ لأنّ الشارع لا يلزم بالماهيّة الموجودة بمجرّد
[١] سورة البقرة ٢: ٢٧٥.