فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٦٥ - الإرادة الظاهريّة و الجدّية في المعاملات
الإرادة الاستعماليّة و التفهيميّة أيضاً دون الجدّية، و لا يتوهّم أنّ في مثال المقام أو التقيّة أو التورية و نحوها قد يكون مجرّد لقلقة لسان من دون إرادة المعنى استعمالًا و لا تفهيماً؛ و ذلك لأنّه خلاف الغرض من إيجاد الصوت بصورته الكلاميّة و الداعي لذلك هو تداعي المعنى لدى المخاطب، و فهمه لذلك المعنى، و هذا معنى الإرادتين المزبورتين؛ إذ غرض المتكلّم تجاوب المخاطب معه.
و لذلك قال المحقّق العراقي بأنّ الارتباط بين اللفظ و المعنى، حتّى المعنى الاستعمالي، صار بقاءً كالعُلقة التكوينيّة بمنزلة السبب و المسبّب، فحين ما تتلفّظ باللفظ مع عدم نصب أيّة قرينة على الخلاف كأنّك أوجدت أمراً تكوينيّاً ملازماً مع مسبّب تكويني لا يتخلّف عنه.
أمّا بحث الوضع، فالعلقة بين اللفظ و المعنى صارت علقة تكوينيّة، و إن كان بدؤها اعتبارياً، فإرادة إيجاد أحد المتلازمين يلازم إرادة إيجاد الملازم الآخر؛ لأنّهما لا ينفكّان تكويناً، فلا يمكن دعوى عدم وجود الإرادة الاستعماليّة في البين. هذا بالنسبة إلى الإرادة الاستعماليّة.
و أمّا بالنسبة إلى الإرادة التفهيميّة فهي موجودة أيضاً؛ لأنّه يريد التجاوب من السامع و المخاطب الذي لا يتحقّق إلّا بانتقال ذهنهما إلى المعنى، و هو معنى إرادة التفهيم بعد فرض أنّه لم ينصب قرينة على عدم الافهام، و الإرادة التفهيميّة بحسب الطبع الأوّلي هي طبق الإرادة الجدّية، إلّا أن يكون هناك باعث فعليّ مغاير بينهما، و الفرض عدمه؛ إذ ليس في البين إلّا الباعث و الداعي الشأني اللولائي، و قد عرفت أنّ الإرادة الجدّية ليست شيئاً وراء ذلك، و تخيّل ما عدا ذلك توهّم و خلط بين نمطي الإرادة الجدّية، فهذه شواهد ثلاثة معاضدة للمطلوب:
الأوّل: ما قيل في بحث التورية.
الثاني: ما في بحث الوضع.
الثالث: ما في بحث الإنشاء.