فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤ - الفهرس الاجمالى
فضلًا عن اشتراك الشرائع السماويّة فيه، يتساور عدّة- ممّن يصبو إلى تصوير نظام اقتصادي أو مالي للإسلام في وسط البيئة الماليّة و الاقتصاديّة الحاليّة، حيث يجد النظام المصرفي العالمي و الإقليمي و المؤسّسات الماليّة الاخرى كأخطبوط لا يمكن الانفصال عنه إلّا في واحة برّية لا نبت فيها و لا زرع، منعزلة عن حياة السوق و التعامل البشري، و هو بتمامه قائم على النظام الربوي- أنّه لو منع الربا لانشلّ مثل هذا النظام، و لو منعت بعض الدول أو المصارف عن التعامل الربوي لانعزلت عن الحركة الماليّة و الاقتصاديّة، فيحاول مراجعة الحكم و قراءة النصّ بنزعة ذاتيّة و يبدي احتمالات:
منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الفائدة في الديون الاستهلاكيّة دون الاستثماريّة؛ لأنّها ليست بظلم للمديون و إجحاف بحاله، بل مدد لأبواب النماء، فيكون كالمضاربة و الشركة.
و منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الجاري بين تعامل الأفراد فيما بين بعضهم دون ما يجرى بين الدولة و الأفراد؛ لأنّ القاعدة ستعود للصالح العامّ و الخزينة الوطنيّة و بيت مال المسلمين، و بالتالي فهو لا يخرج عن نطاق البلد.
و منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الجاري بين الشخصيّات الحقيقيّة دون الشخصيّة الحقوقيّة، لا سيّما مثل الربا الجاري فيما بين الدول.
و منها: أنّ الربا المحرّم هو خصوص الجارى في ساحة المال و الاقتصاد المفتوح، كما في عهد النصّ و التشريع دون الاقتصاد و الحركة الماليّة المغلقة كما في وضعيّة الدول في العصر الراهن، فالحرمة للربا هي للبيئة في عهد النصّ دون البيئة الماليّة المعصارة، أو أنّه تدبير نبويّ خاصّ بذلك العصر.
و هذه التخرّصات و التهجّسات استخفاف بهذه الحرمة المشدّدة في القرآن و السنّة، و المتوعّد عليها الحرب من اللَّه و رسوله، مع تأكيد إطلاق العنوان المأخوذ موضوعاً للحرمة في الأدلّة، مع أنّ أوّل ربا أبطله النبيّ صلى الله عليه و آله هو ربا العبّاس عمّه، كما هو عادته صلى الله عليه و آله في البدء بتطبيق التشريع على أهله و عشيرته الأقربين، و كانت قروضه على النّاس قروضاً