فقه المصارف و النقود - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٥ - الفهرس الاجمالى
استثماريّة لا استهلاكيّة.
هذا مع أنّ العلل المذكورة في الكتاب و السنّة لتحريمه تتأتّى في كلّ صور الربا، كتعامل الدولة مع الأفراد، فإنّه يؤدّي أيضاً إلى الإجحاف بالأفراد، و فناء أموالهم، و عزوف الدولة عن الأنشطة التجاريّة و الاستثماريّة الحقيقيّة المنعشة لاقتصاد البلاد إلى التطفّل على القدرات الماليّة للأفراد و إلى ترك الدولة الإعانة لرعاياها مع أنّها مخاطبة في الدرجة الاولى بكفالة الأفراد.
إنّ تحريم القرآن و السنّة للربا تحريماً أبديّاً يعدّ ملحمة قانونيّة تنبّأ بها القرآن في الحقل التشريعي، و ها نحن نرى صدق هذا التنبّؤ في العصر الحاضر مع كلّ ما في الحركة الماليّة من تعقيدات جديدة و سرعة هائلة في التعامل.
إنّ العلل المتقدّمة جارية في التعامل الربوي فيما بين الدول، فإنّ الدول الغنية في العالم لا زالت تستضعف دول العالم الثالث بتوسّط غير قساوة الفوائد الربويّة، و تركعها سياسياً و ثقافياً بضغط عامل الضعف المالي المكبّد من الديون الربويّة، و تضاعف معدّل الربا بالعجز عن الوفاء، و تأخير التسديد، بل قد شاهدنا في عصرنا بعض الدول القويّة كالدول الخمس الآسيويّة في الشرق الأقصى، قد تضعضع اقتصادها و قوّتها الماليّة، و كان أحد أهمّ الأسباب في ذلك هو الديون الربويّة التي تكبّلت به تجاه صندوق النقد الدولي، و ليست الدولة إلّا حوزة ماليّة لمجموع الأفراد، فإذا نكبت قوّتها المالية بالضعف و العجز فإنّ ذلك يعود بالاستضعاف و الفقر للأفراد.
هذا، و كون اقتصاد و حركة المال في كلّ بلد مغلقة بخلاف البيئة الماليّة في عهد النصّ و الأعصار السابقة لا يوجب عدم شمول علل التحريم له، و لا قصور في إطلاق الأدلّة، بل مضارّ الربا بعينها مشاهدة في العصر الحاضر بنحو أشدّ قساوة، مع أنّ دعوى الاغلاق في حركة المال و الاقتصاد ممنوعة، فإنّ قنوات المبادلة الماليّة و التجاريّة و غيرها جارية بين الدول و الشعوب المختلفة، و إن قنّنت المبادلات بقوانين جمركيّة و سياسات ماليّة و اقتصاديّة خاصّة بكلّ دولة، كما هو الحال عليه في سابق العصور، حيث نظام العشّارين