الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٣٨٩ - تذنيب في الموردين اللذين اختلف فيهما
هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي عَمَّارٍ وَ أَصْحَابِهِ (إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَ قَلْبُهُ مُطْمَئِنٌّ بِالْإِيمانِ)١ "٢ لدلالتها على جواز كلّ من البراءة و اختيار القتل؛ لأنّه علِیه السلام لم يتزجّر عمّا فعله ميثم و إنّما سئل عن وجهه هذا. و قد يقال إنّ ترك التقيّة أرجح من التقيّة بإظهار التبرّي منه علِیه السلام. و عليه فيكون المقام من موارد التقيّة المكروهة و المرجوحة. و إذا قلنا بعكس ذلك و أنّ التقيّة بإظهار التبرّي أرجح من تركها؛ فيكون المقام مثالاً للتقيّة المستحبّة لا محالة. و الصحيح أنّ الأمرين٣متساويين و لا دلالة لشيء من الروايات على أرجحيّة أحدهما عن الآخر؛ أمّا رواية عبد الله بن عطاء، فلأنّها إنّما دلّت على أنّ من ترك التقيّة، فقتل، فقد تعجّل إلى الجنّة. و لا دلالة لذلك على أنّ ترك التقيّة باختيار القتل أرجح من فعلها. و ذلك لأنّ العامل بالتقيّة أيضاً من أهل الجنّة و إنّما لم يتعجّل، بل تأجّل، فلا يستفاد منه إلّا تساويهما. و أمّا ما رواه محمّد بن مروان، فلأنّها إنّما تدلّ على أرجحيّة التقيّة بإظهار التبرّي منه علِیه السلام فيما إذا كانت كلمة "ميثم" غير منصرفة، فيصحّ وقتئذٍ أن تقرأ كلمة "منع" مبنيّةً للفاعل و المفروض أنّ كلمة "ميثم" لا تكتب منصوبةً (ميثماً) لعدم انصرافها، فتدلّنا الرواية حينئذٍ على توبيخ ميثم لتركه التقيّة و تعرّضه للقتل و الهلاك، إلّا أنّ كلمة "ميثم" منصرفة؛ لوضوح عدم اشتمالها على موانع الصرف. و عليه، فلا يصحّ قراءة كلمة "منع" مبنيّةً للفاعل. و إلّا للزم أن تكون كلمة "ميثم" منصوبةً و أن تكون العبارة هكذا "ما منع ميثماً" و لم تذكر الكلمة في شيء من النسخ التي وقفنا عليها منصوبةً، بل هي في جميع النسخ مكتوبة بالرفع "ميثم". و معه لا بدّ من قراءة كلمة "منع" مجهولةً و مبنيّةً للمفعول هكذا "ما منع ميثم" أي لم تكن التقيّة ممنوعةً و غير سائغة في حقّه، بل كانت مرخّصةً بالنسبة إليه و
١. النحل: ١٠٦.
٢. الکافي٢: ٢٢٠، ح ١٥. عَلِيٌّ [عليّ بن إبراهيم بن هاشم القمّي: إماميّ ثقة] عَنْ أَبِيهِ [إبراهيم بن هاشم القمّي: مختلف فيه و هو إماميّ ثقة علي الأقوي] عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَيْرٍ [محمّد بن أبي عمير زياد الأزدي: إماميّ ثقة، من أصحاب الإجماع] عَنْ جَمِيل[جميل بن صالح: إمامي ثقة]). (هذه الرواية مسندة و ضعيفة؛ لوجود محمّد بن مروان في سندها و هو مهمل).
٣. التقيّة و اختيار القتل.