الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٥٦ - القول الثاني حرمة التقيّة المداراتيّة
بُيُوتِكُمْ ثُمَّ صَلُّوا مَعَهُمْ وَ اجْعَلُوا صَلَاتَكُمْ مَعَهُمْ تَطَوُّعاً"١.
و لكنّ الذي يقتضيه الجمع بين الأخبار حمل الضرورة المعتبرة في مشروعيّتها على الضرورة الفعليّة حال العمل، لا الضرورة المطلقة؛ لما عرفت من عدم إمكان تقييد الأخبار السابقة بها، بل و منافاته للتسهيل الذي عليه ابتناء شرع التقيّة؛ لأنّ الالتزام بالتخلّص بنفسه ضيق و حرج، مع أنّ إعمال الحيلة و بذل الجهد في التفصّي حال العبادة غير معروف عن المعاصرين للأئمّة علِیهم السلام، فالقول باشتراطها بعدم المندوحة مطلقاً ضعيف.
نعم، لا بدّ من الالتزام باشتراطها بعدم تمكّنه من إيجاد الفعل الصحيح الواقعيّ حين إرادة امتثال أمره بمعنى عدم تمكّنه في زمان صدور الفعل منه و مكانه إلّا من إيجاده على وجه التقيّة، بل نفى الريب عنه غير واحد؛ بل يظهر من بعض أنّ خلافهم في اعتبار عدم المندوحة و عدمه إنّما هو بالمعنى الأوّل. و أمّا اعتبار عدم المندوحة بهذا المعنى فممّا لا خلاف فيه. و يؤيّد كلامه أنّ عدم المندوحة بهذا المعنى- بحسب الظاهر- من مقوّمات موضوع التقيّة عرفاً، مع أنّه لا مقتضى لتقييد الأوامر الواقعيّة بغير الفرض؛ لأنّ المفروض أنّ التقيّة لا تنافيها، فلو تمكّن حال الوضوء من تلبيس الأمر عليهم على وجه لا ينافي التقيّة، يجب عليه ذلك و لا يجزئه موافقتهم حينئذٍ جزماً؛ لما عرفت من إناطتها بالضرورة الفعليّة بمقتضى الأخبار المقيّدة.
هذا، مع إمكان أن يقال: إنّه لا يكاد يستفاد جوازها في الفرض من مطلقات الأخبار، فضلاً عن غيرها؛ لانصرافها عن مثل الفرض؛ لما ارتكز في الذهن من أنّ الواجب الواقعيّ و المطلوب النفس الأمريّ إنّما هو مسح الرجلين. و أمّا ما عداه فإنّما سوّغه العجز، فلا يجوز مع التمكّن الفعليّ من فعله. هذا إذا التفت إلى إمكان التفصّي. و أمّا إذا لم يلتفت أو خاف من إعمال الحيلة في إيجاد الفعل الصحيح، فلا إشكال في كفاية ما أتى به عن الواقع؛
١. دعائم الإسلام١: ١٥١ - ١٥٢. و جاء فيه: قَدْ رُوِّينَا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ علِیه السلام [الإمام الجواد] أَنَّهُ قَالَ. (هذه الرواية مرفوعة و ضعيفة).