الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٣٦٨ - تذنيب في الموردين اللذين اختلف فيهما
في سائر مواردها، لا أنّه أوجب علينا تركها؛ فكان هذا مستثنى من عموم "لَا دِينَ لِمَنْ لَا تَقِيَّةَ لَهُ" كما في رواية الدعائم١، فيكون التقيّة هنا رخصةً لا عزيمةً؛ كالتقيّة في إظهار كلمة الكفر. و يكون النهي في صحيحة الكافي٢ محمولاً على المرجوحيّة"٣.
أقول: هذا التوجيه يناسب ظاهر قوله علِیه السلام "لا أتّقي". و هکذا يناسب قوله علِیه السلام "عَلَّمَ أَصْحَابَهُ فِي مَجْلِسٍ وَاحِدٍ أَرْبَعَ مِائَةِ بَابٍ مِمَّا يُصْلِحُ لِلْمُسْلِمِ فِي دِينِهِ وَ دُنْيَاهُ" فإنّ ظاهرها يناسب المرجوحيّة، لا الوجوب و لکن لا يناسب ظاهر بعض الروايات الأخر.
التوجيه الثامن
قال الشيخ الأنصاريّ رحمه الله "يمكن أن يحمل رواية أبي الورد على مورد الضرر الفعليّ دون التقيّة المبنيّة على ملاحظة الضرر النوعيّ على الشيعة باشتهارهم بمخالفة جمهور الناس دون الضرر الفعليّ اللاحق للشخص بترك هذا الفعل الخاص. و يشهد لهذا الحمل عطف البرد المعتبر فيه الضرر الشخصيّ إجماعاً؛ لكن هذا مبنيّ على أنّ التقيّة لا يعتبر فيها ترتّب الضرر الفعليّ على الترك، بل الحكمة فيها ملاحظة الضرر اللاحق من اجتماع الشيعة على تركها و اشتهارهم بخلافها. و هذا و إن كان يظهر من جملة من الأخبار إلّا أنّ المستفاد من كثير منها خلاف ذلك"٤.
أقول: هذا الحمل بعيد عن ظاهر الرواية؛ لأنّ الظاهر من قوله علِیه السلام: "قول عليّ علِیه السلام فيکم سبق الکتاب الخفّين" أنّ المسح علي الرجلين مذکور في الکتاب العزيز؛ فلا تقيّة فيه
١. دعائم الإسلام١: ٥٩ - ٦٠. (هذه الرواية مرفوعة و ضعيفة).
٢. الكافي٦: ٤١٥، ح ١٢. عَلِيُّ بْنُ إِبْرَاهِيمَ [بن هاشم القمّي: إماميّ ثقة] عَنْ أَبِيهِ [إبراهيم بن هاشم القمّي: مختلف فيه و هو إماميّ ثقة علي الأقوي] عَنْ حَمَّادٍ [حمّاد بن عيسي الجهني: إماميّ ثقة] عَنْ حَرِيزٍ [حريز بن عبد الله السجستاني: إماميّ ثقة] عَنْ زُرَارَةَ [زرارة بن أعين الشيباني: إماميّ ثقة من أصحاب الاجماع] عَنْ غَيْرِ وَاحِدٍ قَالَ: قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرٍ [الإمام الباقر] علِیه السلام فِي الْمَسْحِ عَلَى الْخُفَّيْنِ تَقِيَّةٌ؟ قَالَ علِیه السلام: "لَا يُتَّقَى فِي ثَلَاثَةٍ" قُلْتُ: وَ مَا هُنَّ؟ قَالَ علِیه السلام: "شُرْبُ الْخَمْرِ أَوْ قَالَ شُرْبُ الْمُسْكِرِ وَ الْمَسْحُ عَلَى الْخُفَّيْنِ وَ مُتْعَةُ الْحَجِّ". (هذه الرواية مسندة، صحيحة علي الأقوي).
٣. كتاب الطهارة٢: ٢٨٠.
٤. كتاب الطهارة ٢: ٢٨٠ - ٢٨١.