الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٨٨ - الفرق بين الاضطرار و الإکراه
الفرق بين الاضطرار و الإکراه
قال الشيخ الأنصاريّ رحمه الله "يمكن أن يفرّق بين المقامين١ بأنّ الإكراه إنّما يتعلّق بالبيع الحقيقيّ أو الطلاق الحقيقي؛ غاية الأمر قدرة المكره على التفصّي عنه بإيقاع الصورة من دون إرادة المعنى، لكنّه غير المكره عليه.
و حيث إنّ الأخبار خالية عن اعتبار العجز عن التفصّي بهذا الوجه، لم يعتبر ذلك في حكم الإكراه. و هذا بخلاف الكذب؛ فإنّه لم يسوّغ إلّا عند الاضطرار إليه و لا اضطرار مع القدرة. نعم لو كان الإكراه من أفراد الاضطرار بأن كان المعتبر في تحقّق موضوعه عرفاً أو لغةً العجز عن التفصّي- كما ادّعاه بعض- أو قلنا باختصاص رفع حكمه بصورة الاضطرار بأن كان عدم ترتّب الأثر على المكره عليه من حيث إنّه مضطرّ إليه لدفع الضرر المتوعّد عليه به عن النفس و المال، كان ينبغي فيه اعتبار العجز من التورية لعدم اضطرار مع القدرة عليها. و الحاصل أنّ المكره إذا قصد المعنى مع التمكّن من التورية، صدق على ما أوقع أنّه مكره عليه، فيدخل في عموم رفع ما أكرهوا عليه. و أمّا المضطر، فإذا كذب مع القدرة على التورية لم يصدق أنّه مضطرّ إليه؛ فلا يدخل في عموم رفع ما اضطرّوا إليه"٢.
أقول، أولاً: قوله رحمه الله "بأنّ الإكراه إنّما يتعلّق بالبيع الحقيقيّ أو الطلاق الحقيقي" دالّ علي الحصر و الحال أنّه قد يکون قصد المکرِه صورة البيع و الطلاق؛ إذ المکرِه يعلم أنّ بيع المکرَه و طلاقه باطل؛ فلا إصرار علي البيع الحقيقيّ و الطلاق الحقيقي؛ إذ لا يصحّ ذلك من المکرَه عند الإکراه، فمقصود المکرِه هو صورة البيع و الطلاق غالباً أو دائماً.
و ثانياً: أنّ القدرة علي التورية ليست عند العرف و العقلاء من موارد إمکان التفصّي عن الإکراه؛ إذ لو کانت التورية موجباً للتفصّي عن الإکراه، فلا يتحقّق إکراه أصلاً.
و ثالثاً: أنّ الکذب أيضاً- کالبيع و الطلاق- قد يقع الاضطرار إليه و قد يقع الإکراه عليه،
١. هما: مقام الإكراه على البيع أو الطلاق أو غيرهما من العقود و الإيقاعات و مقام الاضطرار إلى الكذب.
٢. کتاب المکاسب (ط.ق)١: ٢٠٢ - ٢٠٣.