الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٣٥ - الدليل الأوّل الآيتان
و لو سلّمت دلالتها على حرمة الكذب، لكن يمكن أن يكون جعله عدلاً للشرك بملاحظة بعض مصاديقه، كشهادة الزور- كما دلّت عليه الروايات- و الكذب على اللّه تعالى و رسوله١و نحوها. و كون الكذب بكثير من مصاديقه ذا مفسدة عظيمة، يكفي في جعله مقارناً للشرك تعظيماً له. و لا يلزم أن يكون بجميع مصاديقه كبيرة. و جعله بإطلاقه قريناً له، لا يوجب كونه بإطلاقه كبيرة و ليس إطلاق للآية من هذه الجهة يؤخذ به.
و أمّا صحيحة عبد العظيم- سلام الله عليه- فلا تكون مؤيّدةً للمطلوب؛ لأنّ الآية النازلة في الخمر و الميسر تفارق الآية في قول الزور، فإنّ في قوله: (إِنَّمَا الْخَمْرُ وَ الْمَيْسِرُ وَ الْأَنْصابُ وَ الْأَزْلامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ فَاجْتَنِبُوهُ) جعلت العناوين الأربعة أو الثلاثة موضوعةً لقوله: رجس من عمل الشيطان و للنهي، فتكون وحدة السياق و وحدة النهي شاهدةً على المطلوب. و لهذا استشهد أبو عبد اللّه علِیه السلام في الصحيحة لكون الخمر كبيرةً بأنّ اللّه- تعالى- نهى عنها كما نهى عن عبادة الأوثان. و لعلّ نظره إلى وحدة الأمر و كيفيّة الأداء في المذكورات. ثمّ لا يخفى أنّ الأمر بالاجتناب بمنزلة النهي و في قوّته. و أمّا قوله: (فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثانِ وَ اجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ) يكون فيه الأمر بالاجتناب مكرّراً، فلم تكن هذه الآية بمثابة الآية المتقدّمة. و لعلّ في التكرار نحو إشارة إلى اختلافهما"٢.
أقول: هذه المحامل خلاف الظاهر؛ بل الظاهر کون الکذب بجميع مصاديقه معصيةً کبيرةً؛
١. الْحُسَيْنُ بْنُ مُحَمَّدٍ [بن عامر: إماميّ ثقة] عَنْ مُعَلَّى بْنِ مُحَمَّدٍ [البصري: مختلف فيه و هو إماميّ ثقة ظاهراً] وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ [علّان الکليني: إماميّ ثقة] وَ عَنْ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ عَنْ صَالِحِ بْنِ أَبِي حَمَّادٍ [الرازي: مختلف فيه و هو إماميّ حسن علي الأقوي] عَنِ الْوَشَّاءِ [الحسن بن عليّ الوشّاء: إماميّ ثقة] عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عَائِذٍ [الأحمسيّ العبسي: إماميّ ثقة] عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ [سالم بن مکرم: إماميّ ثقة] عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ علِیه السلام قَالَ: "الْكَذِبُ عَلَى اللَّهِ وَ عَلَى رَسُولِهِ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم مِنَ الْكَبَائِرِ". الکافي٢: ٣٣٩، ح ٥. (هذه الرواية مسندة، حسنة علي الأقوي).
٢. المکاسب المحرّمة (الإمام الخميني)٢: ١٠٥ - ١٠٦(التلخيص).