الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٢٤ - القول الثالث الکذب هو عدم مطابقة مستعمل فيه مع الواقع
المستعمل فيه هو ظاهر الکلام بعد الالتفات إلي القرائن الحاليّة و المقاليّة المتّصلة أو المنفصلة؛ فإنّ العامّ و المطلق ظاهرة في العموم و الإطلاق قبل الرجوع إلي المخصّص و المقيّد. و بعد وجدانهما ظاهرين في الخاصّ و المقيّد؛ فالمقصود واحد. و التعبير بالمستعمل فيه أحسن من التعبير بالظاهر، فإنّ الظاهر قد يشمل الظاهر البدويّ و لکنّ المراد في المقام الظاهر بعد الفحص عن القرائن، کما يقال بناء العقلاء علي حجّيّة الظواهر. و هذا واضح لايحتاج إلي مزيد بيان.
و لا يخفي أنّ لازم کلامه رحمه الله کون التورية کذباً؛ لأنّ المتکلّم أراد خلاف الظاهر بدون وجود القرينة علي ذلك و لکن يلاحظ عليه بأنّه لا ملازمة بين صدق الخبر و صدق المخبر؛ کما في الخبر المطابق للواقع و نفس الأمر إذا کان مخالفاً لاعتقاد المتکلّم؛ فإنّ المتکلّم قد يتّصف بأنّه کاذب، مع أنّ خبره صدق. و بالعکس قد يکون المتکلّم صادقاً- لصحّة قوله باعتقاده- مع کون الخبر غير مطابق للواقع و نفس الأمر.
و قال بعض الفقهاء حفظه الله: "يمكن التفريق بين صدق الخبر و كون المتكلّم صادقاً و كذلك كذب الخبر و كون المتكلّم كاذباً، فالصدق و الكذب دائران مدار مطابقة الظاهر للواقع و عدمها، فإنّ للجمل - بل للألفاظ المفردة- دلالات على المعاني الموضوعة لها؛ سواء أكان هناك متكلّم أم لا و سواء أصدر عن متكلّم شاعر أم لا. إنّ صدق الخبر و كذبه يدور مدار مطابقة الظهور للواقع و مخالفته من غير فرق بين أن يكون الظهور حقيقةً أو مجازاً و كنايةً؛ فإذا قال: زيد جبان الكلب١ أو مهزول الفَصيل٢، فصدقه سخاؤه و كذبه إمساكه، سواء أكان هناك كلب و فصيل أم لا و سواء كان كلبه جباناً أو فصيله مهزولاً أم لا"٣.
أقول: کلامه دام ظلّه في کمال المتانة و لازم کلامه کون التورية کذباً؛ لأنّ المتکلّم أراد خلاف الظاهر بدون إيراد القرينة و بعد التصريح بالتورية يعلم المراد. و هذا التصريح قرينة علي
١. أي: نهاية في الکرم و السخاء.
٢. أي: ولد إبله نحيف. (کناية عن السخاء).
٣. المواهب: ٦٧٣ - ٦٧٤ (التلخيص).