الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٦٤ - الدليل الأوّل الروايات
إشکالان في الاستدلال بالرواية
الإشکال الأوّل
قال بعض الفقهاء حفظه الله: "أوّلاً: إنّ الكلام في قضيّة يوسف علِیه السلام لم يكن منه و لا دليل على أنّه كان بإذنه و لعلّ المؤذّن لمّا فقد صواع الملك، حصل له سوء ظنّ بأخوة يوسف علِیه السلام و قال ما قال و عدم نهي يوسف علِیه السلامعنه لو كان بمرآه لعلّه لمصلحة هناك. و ثانياً: يجوز أن يكون المراد سرقة يوسف علِیه السلام من أبيه"١.
أقول: کلامه دام ظلّه متين، لکن الرواية ضعيفة السند لا يصحّ الاستدلال بها.
الإشکال الثاني
هو كلام صادر عن المأمورين لا عن نفس يوسف علِیه السلام و لا يؤخذ يوسف علِیه السلام بكلام مأموره و لعلّهم لمّا فقدوا صواع الملك، تيقّنوا أنّ الإخوة سرقوه، فاتّهموهم بالسرقة و لم يقفوا على العمل السرّيّ الذي قام به يوسف علِیه السلام أو بعض خواصّه من جعل صواع الملك في رحل أخيه٢.
أقول: کلامه دام ظلّه متين.
و منها:٣ فَقُلْتُ قَوْلُهُ: (إِنِّي سَقِيمٌ)٤ قَالَ علِیه السلام: "مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ علِیه السلام سَقِيماً وَ مَا كَذَبَ، إِنَّمَا
١. أنوار الفقاهة (كتاب التجارة) : ٣٢٦ (التلخيص).
٢. المواهب: ٦٨١ .
٣. هذه الرواية جزء من الرواية السابقة.
٤. الصافّات: ٨٩. قال الشيخ الطبرسيّ رحمه الله: (إِنِّي سَقِيمٌ) أراد أنّه قد حضر وقت علّته و زمان نوبتها فكأنّه قال: إنّي سأسقم لا محالة و حان الوقت الذي تعتريني فيه الحمى و قد يسمّى المشارف للشيء باسم الداخل فيه". مجمع البيان٨: ٧٠٢. و قال السيّد الشبّر رحمه الله: "قوله- تعالى: (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) أسقم لإمارة بخصوصيّة نصبها اللّه أو وحي منه أو سقيم القلب لكفركم أو أراد سأموت مثل إنّك ميت؛ إذ لا داء أعيى من الموت و كان الطاعون غالباً فيهم فظنّوا أنّه به ذلك و كانوا يخافون العدوى فتركوه". الجوهر الثمين٥: ٢٥٧ - ٢٥٨. و قال الشيخ المغنية رحمه الله: "للمفسّرين في معنى سقيم أقوال أرجحها أنّ المراد به هنا الشاك. و عليه يكون المعنى أنّ ابراهيم علِیه السلام قال لقومه: أنا الآن في حيرة أبحث و أدقّق لأهتدي إلى معرفة الخالق و قد نظرت في الأصنام فأيقنت أنّها ليست بآلهة، ثمّ نظرت في النجوم فلم أهتد إلى شيء بل بقيت على شكّي و حيرتي. و السياق يعيّن إرادة هذا المعنى أو يرجّحه- على الأقلّ- لأنّه ربط بين قوله: إنّي سقيم و بين نظرته في النجوم و ليس في قوله: إنّي شاكّ أيّ كذب. كلّا؛ لأنّه من باب المماشاة مع الخصم ليأخذه بالحجّة و يقطع عليه كلّ معذرة". التفسير الكاشف٦: ٣٤٧. و قال العلّامة الطباطبائيّ رحمه الله: "قوله- تعالى: (فَنَظَرَ نَظْرَةً فِي النُّجُومِ) (فَقالَ إِنِّي سَقِيمٌ) لا شكّ أنّ ظاهر الآيتين أنّ إخباره علِیه السلام بأنّه سقيم مرتبط بنظرته في النجوم و مبنيّ عليه و نظرته في النجوم إمّا لتشخيص الساعة و خصوص الوقت، كمن به حمى ذات نوبة يعيّن وقتها بطلوع كوكب أو غروبها أو وضع خاصّ من النجوم و إمّا للوقوف على الحوادث المستقبلة التي كان المنجّمون يرون أنّ الأوضاع الفلكيّة تدلّ عليها و قد كان الصابئون مبالغين فيها و كان في عهده علِیه السلام منهم جمّ غفير. فعلى الوجه الأوّل لمّا أراد أهل المدينة أن يخرجوا كافّةً إلى عيد لهم نظر إلى النجوم و أخبرهم أنّه سقيم ستعتريه العلّة فلايقدر على الخروج معهم. و على الوجه الثاني نظر علِیه السلام حينذاك إلى النجوم نظرة المنجّمين فأخبرهم أنّها تدلّ على أنّه سيسقم، فليس في وسعه الخروج معهم.
و أوّل الوجهين أنسب لحاله علِیه السلام و هو في إخلاص التوحيد بحيث لايرى لغيره- تعالى- تأثيراً و لا دليل لنا قويّاً يدلّ على أنّه علِیه السلام لم يكن به في تلك الأيّام سقم أصلاً و قد أخبر القرآن بإخباره بأنّه سقيم و ذكر سبحانه قبيل ذلك أنّه جاء ربّه بقلب سليم؛ فلا يجوز عليه كذب و لا لغو من القول.
و لهم في الآيتين وجوه أخر أوجهها أنّ نظرته في النجوم و إخباره بالسقم من المعاريض في الكلام و المعاريض أن يقول الرجل شيئاً يقصد به غيره و يفهم منه غير ما يقصده، فلعلّه نظر علِیه السلام في النجوم نظر الموحّد في صنعه- تعالى- يستدلّ به عليه- تعالى- و على وحدانيّته و هم يحسبون أنّه ينظر إليها نظر المنجّم فيها ليستدلّ بها على الحوادث ثمّ قال: إنّي سقيم يريد أنّه سيعتريه سقم؛ فإنّ الإنسان لا يخلو في حياته من سقم مّا و مرض مّا؛ كما قال: (وَ إِذا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ) [الشعراء:٨٠] و هم يحسبون أنّه يخبر عن سقمه يوم يخرجون فيه لعيد لهم. و المرجّح عنده لجميع ذلك ما كان يهتمّ به من الرواغ إلى أصنامهم و كسرها.
لكن هذا الوجه مبنيّ على أنّه كان صحيحاً غير سقيم يومئذٍ و قد سمعت أن لا دليل يدلّ عليه؛ على أن المعاريض غير جائزة على الأنبياء؛ لارتفاع الوثوق بذلك عن قولهم". الميزان١٧: ١٤٨- ١٤٩.