الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٤٣٠ - الدليل الأوّل الآيتان
التعميم قوله: (وَ أُولئِكَ هُمُ الْكاذِبُونَ) لظهوره في أنّ الكاذب مقصور على غير المؤمن و أنّ غير المؤمنين بآيات اللّه هم الكاذبون منحصراً. فيظهر منه أنّ الكذب مطلقاً من خواصّ غير المؤمن. و لمّا كان في مقام تعظيم الكذب و تكبيره و لو بدعوى أنّ الكاذبين غير المؤمنين، يفهم منه أنّه عظيمة كبيرة و إلّا لما صحّت الدعوى. و هنا احتمال آخر فيها و هو أنّها بصدد ردّ القائلين و إنشاء ذمّهم، لا الإخبار بأمر واقعيّ حتّى يحتاج في تصحيحها إلى التأوّل و الدعوى؛ نظير: ما نسب إلى زينب الكبرى÷ في جواب عبيد اللّه- لعنه اللّه- حيث قال: الحمد اللّه. قالت: "إنّما يفتضح الفاجر و هو غيرنا"١. فإنّه ظاهر في إنشاء الذمّ، لا الإخبار عن واقعة. فيكون المقصود من قوله: (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ)٢ ردّ قولهم بإنشاء ذمّ لهم. و هنا احتمال ثالث و هو أنّ الآية بصدد ردّهم بجملة إخباريّة و هي أنّ الذين يقولون بأنّك مفتر و يقولون يعلّمه بشر، هم يفترون الكذب في انتساب الافتراء إليك و إنّهم الكاذبون. و لا يبعد أن يكون الاحتمال الثاني أقرب إلى الذوق في المقام. ثمّ إنّه لو سلّم رجحان الاحتمال الأوّل- و لو بضميمة الروايتين المتقدّمتين٣- يكون في دلالتها على حرمة الكذب مجال مناقشة؛ لإمكان أن يكون المراد بدعوى قصر الكذب على غير المؤمن و نفي اتّصاف المؤمنين به، هو أنّ الكذب لمّا كان صفةً خبيثةً دنيّةً يناسب أرذال الناس و المؤمن شريف كامل لا يناسب صدوره منه، فسلب الصفة عنه ليس لكونه معصيةً كبيرةً، بل لكونه صفةً رديّةً قبيحةً قذرةً لا تناسب مقام المؤمن. و عليه لا تدلّ على كونه محرّماً؛ نظير قوله: "المؤمن
١. راجع اللهوف في قتلي الطفوف: ٧٠. و فيه : فَقَالَتْ إِنَّمَا يَفْتَضِحُ الْفَاسِقُ وَ يَكْذِبُ الْفَاجِرُ وَ هُوَ غَيْرُنَا.
٢. النحل: ١٠٥.
٣. عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَوْرَاءَ [في نسخة: حيوراء] "قُلْتُ لِلنَّبِيِّ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم الْمُؤْمِنُ يَزْنِي؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ. قَالَ: الْمُؤْمِنُ يَسْرِقُ؟ قَالَ: قَدْ يَكُونُ ذَلِكَ. قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ صلِّی الله علِیه و آله و سلّم الْمُؤْمِنُ يَكْذِبُ؟ قَالَ: لَا، قَالَ اللَّهُ- تَعَالَى: (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ). [النحل: ١٠٥]. الدعوات: ١١٨، ح ٢٧٥. (هذه الرواية مرفوعة و ضعيفة).
و عَنِ الْعَبَّاسِ بْنِ هِلَالٍ [الشامي: إماميّ ضعيف] عَنْ أَبِي الْحَسَنِ الرِّضَا علِیه السلام: أَنَّهُ ذَكَرَ رَجُلاً كَذَّاباً ثُمَّ قَالَ: قَالَ اللَّهُ- تَعَالَى: (إِنَّما يَفْتَرِي الْكَذِبَ الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ). تفسير العيّاشي٢: ٢٧١، ح ٧١. (هذه الرواية مرفوعة و ضعيفة).