الشافی فی الفقه - الفقیهی، محسن - الصفحة ٣١٤ - القسم الثالث التقيّة الاستحبابيّة
سَيْفِ بْنِ عَمِيرَةَ١ عَنْ مُدْرِكِ بْنِ الْهَزْهَازِ٢ قَالَ: قَالَ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ علِیه السلام: "يَا مُدْرِكُ رَحِمَ اللَّهُ عَبْداً اجْتَرَّ مَوَدَّةَ النَّاسِ إِلَى نَفْسِهِ، فَحَدَّثَهُمْ بِمَا يَعْرِفُونَ وَ تَرَكَ مَا يُنْكِرُونَ"٣. و بعض هذه الأخبار و إن كان قابلاً للمناقشة في الدلالة على الوجوب إلّا أنّ بعضها الأخر دالّ عليه، فتأمّل جيّداً٤.
أقول: لا تدلّ علي الوجوب، بل تدلّ علي رجحان جلب المودّة. و لا بدّ أن يقيّد لما لا يوجب فعل المحرّمات أو ترك الواجبات، مع أنّ الروايات ضعيفة سنداً غالباً.
الإشکال الثاني
إنّ التقيّة متقوّمة بخوف الضرر الذي يترتّب على تركها. و مع العلم بعدم ترتّب الضرر على ترك التقيّة لا يتحقّق موضوع للتقيّة. و عليه فالصحيح أن يمثّل للتقيّة المستحبّة بالمرتبة الراقية من التقيّة؛ لأنّ لها كالعدالة و غيرها مراتب و درجات متعدّدة. و هذا كشدّة المواظبة على مراعاتها حتّى في موارد توهّم الضرر، فضلاً عن موارد احتماله؛ لئلّا يذاع بذلك أسرار أهل البيت علِیهم السلام عند أعدائهم. و لا إشكال في استحباب ذلك مع تحقّق موضوع التقيّة و هو احتمال الضرر و لو ضعيفاً. و يشهد على ذلك ما رواه حَمَّادِ بْنِ عِيسَى عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ حَبِيبٍ عَنْ أَبِي الْحَسَنِ علِیه السلام فِي قَوْلِ اللَّهِ: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ)٥ قَالَ علِیه السلام: "أَشَدُّكُمْ تَقِيَّةً"٦. فإنّ ذلك و إن كان من أحد مصاديق التقيّة؛ فإنّ التقيّة قد تكون من الله- سبحانه- و قد يكون من العامّة و غيرهم، إلّا أنّ الرواية تدلّنا على أنّ من كان شديد المواظبة على التقيّة، فهو أتقى و أكرم عند الله. و هذا كافٍ في رجحان شدّة المواظبة على التقيّة. و يمكن
١. إماميّ ثقة.
٢. مهمل.
٣. الخصال١: ٢٥، ح٨٩. (هذه الرواية مسندة و ضعيفة؛ لوجود مدرك بن الهزهاز في سندها و هو مهمل).
٤. حاشية على رسالة في التقيّة: ٢٤٢ - ٢٤٣.
٥. الحجرات:١٣.
٦. المحاسن١: ٢٥٨، ح٣٠٢. و جاء فيه: أحمد بن محمّد بن خالد البرقي [إماميّ ثقة] عن أبيه [محمّد بن خالد البرقي: إماميّ ثقة] عن حمّاد بن عيسى [الجهنيّ: إماميّ ثقة من أصحاب الإجماع] عن عبد الله بن حبيب [مهمل]). (هذه الرواية مسندة و ضعيفة؛ لوجود عبد الله بن حبيب في سندها و هو مهمل).