التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩ - عدالة ظاهرة و باطنة
قال: و بهذا البيان ظهر أنّ المراد بالظالمين [المحجوزين عن نيل الإمامة] مطلق من ارتكب ظلما، شركا فما دونه من سائر المعاصي التي توجب فسقا و خروجا عن طاعة اللّه.
قال: و هذا لا يفترق بين أن يكون ظالما لنفسه في الحال أو في سالف عمره قضاه في الشرك و الفساد. ذلك لأنّ فسقه و تمرّده العارم في الحال أو في سالف عمره، يكشف عن وهن في سريرته، يسترسل مع مبتذلات الحياة حيثما أخذت به الأهواء. و هذا الضعف النفسي المشهود منه- في أيّ وقت من الأوقات- هو الذي أسقطه عن درجة الاعتبار، بحيث لا يمكن الاعتماد عليه في تنصيبه لمثل هذا المنصب الخطير، ألا و هي قيادة الأمّة في مهامّ أمور تعود إلى شئون حياتهم في المعاش و المعاد.[١]
قال: و قد سئل بعض أساتيدنا رحمه اللّه عن تقريب دلالة الآية على ضرورة عصمة الإمام أي العدالة الشاملة، فأجاب: بحسب الفرض العقلي على أربعة أصناف: صنف يكون ظالما طول حياته.
و صنف يكون عادلا طول بقائه. و صنف يظلم ثمّ يئوب. و الصنف الرابع هو الذي يعود ظالما بقيّة حياته حتّى الموت.
قال: و حاش إبراهيم أن يسأل ربّه الإمامة للصنف الأوّل و الأخير .. فبقي القسمان الثاني و الثالث. صنف أصحاب العدل الشامل. و صنف التائب بعد الذنب المستديم.
فإذ وقع السؤال لكلا الصنفين، فالاستثناء في الجواب إذن أخرج الصنف الثالث، ليبقى الصنف الثاني صاحب العدل الشامل (العصمة) هو الصالح لنيل هذا المقام.[٢]
*** و هكذا قال الإمام الرازي بدلالة الآية على عصمة إبراهيم الخليل عصمة شاملة؛ قال: لأنّ الإمام هو الذي يؤتمّ به و يقتدى، فلو صدرت منه معصية لجاز الاقتداء به فيها- لإطلاق النصّ و عمومه- فيلزم منه جواز المعصية، و هو محال، لأنّ كونها معصية عبارة عن كونها ممنوعة. و كونه جائزا عبارة عن كونه غير ممنوع .. و الجمع بينهما مستحيل.[٣]
[١] قالوا: الإمامة رئاسة عامّة في أمور الدين و الدنيا. قاله القاضي عضد الدين الإيجي.( شرح المواقف للسيد شريف الجرجاني ٨: ٣٤٥؛ شرح المقاصد لسعد الدين التفتازاني ٥: ٢٣٤).
[٢] الميزان ١: ٢٧٥- ٢٧٧.
[٣] التفسير الكبير ٤: ٤٠. المسألة الرابعة.