التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٢ - سورة البقرة(٢) آية ١٨١
من مالك بالمعروف[١].
[٢/ ٤٥٢٢] و أخرج ابن جرير عن مسروق: أنّه حضر رجلا فوصّى بأشياء لا تنبغي، فقال له مسروق: إنّ اللّه قد قسم بينكم فأحسن القسم، و إنّه من يرغب برأيه عن رأي اللّه يضلّه، أوص لذي قرابتك ممّن لا يرثك، ثمّ دع المال على ما قسمه اللّه عليه[٢].
*** قوله تعالى: حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ تأكيد لفرض الوصيّة بالمعروف، إذ كانت عادة العرب في الجاهليّة- و لا تزال اليوم و كذا عند غيرهم من أهل الجفاء- أنّ الميّت إذا كان له ولد أو أولاد ذكور، استأثروا بماله كلّه، بما يوجب حرمان الإناث، سواء الأولاد و الأزواج، و حتّى إذا لم يكن له ولد ذكر استأثر بماله أقرب الذكور له من أب أو عمّ أو ابن عمّ الأدنين فالأدنين، و كان الميّت ربما أوصى ببعض ماله أو بجميعه لبعض أولاده أو قرابته أو أصدقائه، ليحرم الباقين فضل ماله.
و لمّا استقرّ المسلمون بدار الهجرة و اختصّوا بجماعتهم، شرع اللّه لهم تشريك بعض القرابة في تركتهم، ممّن كانوا يهملون توريثه أحيانا، أو لا يرثون، لأنّهم من الطبقات التالية[٣].
قد يقال: إنّ الآية بشأن فرض الوصيّة للوالدين و الأقربين، أصبحت منسوخة بآية المواريث.
و لقوله صلّى اللّه عليه و آله و سلّم: «لا وصيّة لوارث»[٤].
قال سيّد قطب: «أمّا الأقربون- ممّن لا يرثون- فقد بقي النصّ بالقياس إليهم على عمومه. فمن ورّثته آيات الميراث فلا وصيّة له، و من لم يرث بقي نصّ الوصيّة هنا يشمله. قال: هذا هو رأي بعض الصحابة و التابعين، نأخذ به»[٥].
قال الشيخ أبو جعفر الطوسي: فأمّا من قال: إنّ الآية منسوخة بآية الميراث، فقوله بعيد عن الصواب، لأنّ الشيء إنّما ينسخ غيره إذا لم يمكن الجمع بينهما، فأمّا إذا لم يكن بينهما تناف و لا تضادّ، بل أمكن الجمع بينهما، فلا يجب حمل الآية على النسخ. و لا تنافي بين ذكر ما فرض اللّه للوالدين و غيرهم من الميراث، و بين الأمر بالوصيّة لهم على جهة الخصوص، فلم يجب حمل الآية
[١] الدرّ ١: ٤٢٣،( الدرّ ٢: ١٦٣، ط: هجر)؛ المصنّف لعبد الرزّاق/ ١٦٣٦٨.
[٢] الطبري ٢: ١٥٩.
[٣] راجع: التحرير و التنوير لابن عاشور ٢: ١٤٥.
[٤] و سنتكلّم عن هذا الحديث.
[٥] في ظلال القرآن ٢: ٢٣٧.