التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٢ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٧٨ الى ١٧٩
بالنقل المستفيض عن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال: «المسلمون تتكافأ دماؤهم»[١].
فإن قال: فإذ كان ذلك، فما وجه تأويل هذه الآية؟
قيل: اختلف أهل التأويل في ذلك، فقال بعضهم: نزلت هذه الآية في قوم كانوا إذا قتل الرجل منهم عبد قوم آخرين لم يرضوا من قتيلهم بدم قاتله من أجل أنّه عبد، حتّى يقتلوا به سيّده، و إذا قتلت المرأة من غيرهم رجلا لم يرضوا من دم صاحبهم بالمرأة القاتلة، حتّى يقتلوا رجلا من رهط المرأة و عشيرتها، فأنزل اللّه هذه الآية، فأعلمهم أنّ الّذي فرض لهم من القصاص أن يقتلوا بالرجل الرجل القاتل دون غيره، و بالأنثى الأنثى القاتلة دون غيرها من الرجال، و بالعبد العبد القاتل دون غيره من الأحرار، فنهاهم أن يتعدّوا القاتل إلى غيره في القصاص. ذكر من قال ذلك:
[٢/ ٤٤٤٥] فقد روي بالإسناد إلى الشعبي قال: نزلت في قبيلتين من قبائل العرب اقتتلتا قتال عمّيّة[٢]، فقالوا: نقتل بعبدنا فلان ابن فلان، و بفلانة فلان ابن فلان، فأنزل اللّه: الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَ الْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَ الْأُنْثى بِالْأُنْثى.
[٢/ ٤٤٤٦] و عن قتادة قال: كان أهل الجاهليّة فيهم بغي و طاعة للشيطان، فكان الحيّ إذا كان
[١] رواه هنا معلقا دون إسناد. و الحديث رواه أبو داود في الجهاد باب ١٤٧ من حديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جدّه قال: قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم:« المسلمون تتكافأ دماؤهم يسعى بذمّتهم أدناهم و يجير عليهم أقصاهم، و هم يد على من سواهم، يردّ مشدّهم على مضعفهم و متسرّيهم على قاعدهم. لا يقتل مؤمن بكافر و لا ذو عهد في عهده». و رواه بنحوه مطوّلا أو مختصرا من حديث عبد اللّه بن عمرو بن العاص: ابن ماجة في الديات باب ٣١. و أحمد في المسند( ٢: ٢١٥) و رواه أبو داود في الديات باب ١١ من حديث عليّ، و فيه:« ... فأخرج كتابا من قراب سيفه فإذا فيه: المؤمنون تتكافأ دماؤهم و هم يد على من سواهم و يسعى بذمّتهم أدناهم ...». و رواه بنحوه مطوّلا أو مختصرا و النسائي في القسامة باب ١٠ و ١٣. و أحمد في المسند( ١: ١١٩).
[٢] العمّيّة( بضم العين و تكسر و تشديد الميم و الياء): هي الأمر الأعمى لا يستبين وجهه؛ كذا قاله أحمد بن حنبل و الجمهور، قال إسحاق بن راهوية: هذا كتقاتل القوم للعصبيّة. و روى مسلم في صحيحه( كتاب الإمارة حديث ٥٣) عن أبي هريرة عن النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم أنّه قال:« من خرج من الطاعة و فارق الجماعة فمات مات ميتة جاهلية. و من قاتل تحت راية عمّية يغضب لعصبة أو يدعو إلى عصبيّة أو ينصر عصبة فقتل فقتلة جاهليّة ...» و رواه غير أيضا. قال ابن الأثير: و في الحديث« من قتل تحت راية عمّيّة فقتلته جاهليّة». قيل: هو فعّيلة من العماء: الضلالة، كالقتال في العصبيّة و الأهواء.
و حكي عن بعضهم فيها ضمّ العين.( النهاية ٣: ٣٠٤).