التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣١ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
القرآن، و يعرض لحججهم و جولهم و محالهم، فيبدو كلّه ضعيفا شاحبا، كما يبدو فيه العنت و الادّعاء بلا دليل .. كذلك تبدو العقيدة الإسلاميّة عقيدة طبيعيّة شاملة لا ينحرف عنها إلّا المتعنّتون:
وَ قالُوا- لا عن وعي-: كُونُوا هُوداً أَوْ نَصارى تَهْتَدُوا قالت اليهود: كونوا هودا تهتدوا.
و قالت النصارى: كونوا نصارى تهتدوا. فكلّ يضرب على وتره و يحاكي شاكلته، لا عن وعي و لا إقامة برهان.
قُلْ: بَلْ مِلَّةَ إِبْراهِيمَ حَنِيفاً: الشريعة البيضاء النقيّة التي جاء بها إبراهيم من أوّل يومه، و لا تزال هي شريعة اللّه الخالدة مدى الأجيال.
وَ ما كانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ كما تزعم العرب المشركون أنّهم على امتداد خطّ أبيهم إبراهيم عليه السّلام.
و عليه فلنرجع جميعا- سواء اليهود أو النصارى أم المشركون- إلى ملّة أبينا إبراهيم، هو أب الأنبياء، و ملّته ملّتهم جميعا، كما هي ملّة الإسلام الحاضرة مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْراهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَ فِي هذا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيداً عَلَيْكُمْ وَ تَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَ آتُوا الزَّكاةَ وَ اعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلى وَ نِعْمَ النَّصِيرُ.[١]
تلك هي الوحدة الدينيّة الكبرى التي يدعو إليها المسلمون، من لدن إبراهيم فإلى موسى و عيسى و إلى الإسلام الأخير .. دعوة أهل الكتاب إلى الإيمان بهذا الدين الحنيف الشامل.
قُولُوا آمَنَّا بِاللَّهِ وَ ما أُنْزِلَ إِلَيْنا نحن المسلمين وَ ما أُنْزِلَ إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ وَ إِسْحاقَ وَ يَعْقُوبَ وَ الْأَسْباطِ، وَ ما أُوتِيَ مُوسى وَ عِيسى وَ ما أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِنْ رَبِّهِمْ لا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ وَ نَحْنُ لَهُ للّه مُسْلِمُونَ كما قال الأب إبراهيم من قبل إِذْ قالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعالَمِينَ.
تلك هي حقيقة الإيمان و أساسها الاستسلام للّه ربّ العالمين .. و من ثمّ فَإِنْ آمَنُوا بِمِثْلِ ما آمَنْتُمْ بِهِ فَقَدِ اهْتَدَوْا وَ إِنْ تَوَلَّوْا و حسبوا الاهتداء في احتكارهم فَإِنَّما هُمْ فِي شِقاقٍ جدال مع الحقّ الصريح فَسَيَكْفِيكَهُمُ اللَّهُ شرّهم و مكائدهم وَ لا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ[٢] .. وَ هُوَ السَّمِيعُ لما يدور بينهم من مؤامرات لئيمة الْعَلِيمُ بنيّاتهم الخبيثة، و من ثمّ فإنّ كلّ دسائسهم تصبح فاشلة و فاضحة، و لا يفلح الماكر حيث أتى.[٣]
[١] الحجّ ٢٢: ٧٨.
[٢] فاطر ٣٥: ٤٣.
[٣] اقتباسا من قوله تعالى: وَ لا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتى( طه ٢٠: ٦٩). حيث الماكر ساحر.