التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٧ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
وَ إِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً مرجعا لِلنَّاسِ جميعا يئوبون إليه من كلّ صوب و مكان. فهو حقّ للجميع، و ليس لأحد أو فئة أن يمنع الناس عن مثابتهم حول البيت. وَ أَمْناً محلّا آمنا، و ليس لسدنته من قريش أن يروّعوا أحدا أو يؤذوهم أو يفتنوهم عن دينهم- كما فعلت بالمؤمنين و هم أحقّ به منهم.
وَ اتَّخِذُوا مِنْ مَقامِ إِبْراهِيمَ مُصَلًّى. و مقام إبراهيم هنا يشمل البيت و المسجد الحرام، و الذي ينبغي أن يتخذ مصلّى، محلّا للعبادة للّه خالصة. و من ثمّ وَ عَهِدْنا إِلى إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ الْعاكِفِينَ وَ الرُّكَّعِ السُّجُودِ.
و هذا هو عهد اللّه بالنسبة إلى بيت اللّه الحرام، فليكن مطهّرا من رجس الأوثان، و ممهّدا للطائفين حوله، و العاكفين في جواره، و المتعبّدين الركّع السجود.
*** وَ إِذْ قالَ إِبْراهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هذا بَلَداً آمِناً وَ ارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَراتِ. و مرّة أخرى يؤكّد دعاء إبراهيم صفة الأمن للبيت، و يؤكّد معنى الوراثة للفضل و الخير .. و لقد عرف إبراهيم منذ أن قال له ربّه: لا يَنالُ عَهْدِي الظَّالِمِينَ أن يحترس و يستثني و يحدّد من يعني:
مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ إيمانا بالمبدإ و المعاد، إيمانا بمسيرة الحياة مبتدئة من عند اللّه، و منتهية إليه في نهاية المطاف .. فقد كانت المسيرة في جميع مراحلها مرعيّة برعايته تعالى و في قبضته و في رقابة شديدة منه. ما يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ[١]. فليكن الإنسان على حذر من شأنه في الحال و المآل.
و إبراهيم المتأدّب بالأدب الذي علّمه ربّه، فيراعيه في طلبه و دعائه .. يجيئه الجواب من عند ربّه مكمّلا و مبيّنا عن الشطر الآخر الذي سكت عنه إبراهيم. شطر الّذين بغوا في الأرض و عتوا عن أمر ربّهم، فليئولوا إلى مصير أليم:
قالَ- تعالى-: وَ مَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا قد يكون له حظّ في الحياة و لكنّه قصير ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلى عَذابِ النَّارِ وَ بِئْسَ الْمَصِيرُ تلك عاقبة الّذين خسروا أنفسهم فألجئوا إلى شقاء الأبد و بئس المصير.
[١] سورة ق ٥٠: ١٨.