التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥٣ - سورة البقرة(٢) آية ١٥٤
إخبار اللّه تعالى به: أَحْياءٌ وَ لكِنْ لا تَشْعُرُونَ. لأنّ كنه هذه الحياة فوق إدراكنا البشري القاصر المحدود. و لكنّهم أحياء. أحياء، و من ثمّ لا يغسّلون كما يغسّل الموتى، و يكفّنون في ثيابهم الّتي استشهدوا فيها. فالغسل تطهير للجسد الميّت و هم أطهار بما فيهم من حياة. و ثيابهم في الأرض ثيابهم في القبر، لأنّهم بعد أحياء.
أحياء، فلا يشقّ استشهادهم على الأهل و الأحبّاء و الأصدقاء. أحياء يشاركون في حياة الأهل و الأحبّاء و الأصدقاء. أحياء، فلا يصعب فراقهم على القلوب الباقية خلفهم، و لا يتعاظمها الأمر، و لا يهولنّها عظم الفداء.
ثمّ هم بعد كونهم أحياء، مكرمون عند اللّه، مأجورون أكرم الأجر و أوفاه.
وَ لا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتاً بَلْ أَحْياءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ. فَرِحِينَ بِما آتاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَ يَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَ لا هُمْ يَحْزَنُونَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ وَ أَنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ. الَّذِينَ اسْتَجابُوا لِلَّهِ وَ الرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ ما أَصابَهُمُ الْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَ اتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ. الَّذِينَ قالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزادَهُمْ إِيماناً وَ قالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَ نِعْمَ الْوَكِيلُ. فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَ فَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَ اتَّبَعُوا رِضْوانَ اللَّهِ وَ اللَّهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ[١].
و لا أظنّ وصفا أفخم ممّا وصف اللّه تعالى لمواضع الشهداء، بمثل ما جاءت به هذه الآيات من نعوت جميلة و حبوة من اللّه كريمة. فهم أحياء يتقلّبون في أحضان نعم اللّه الوافرة، ذكرا في هذه الحياة، و خلودا في نعيم الآخرة.
[٢/ ٣٩٧٤] روى الإمام جعفر بن محمّد الصادق عن أبيه عن آبائه عليهم السّلام أنّ النبيّ صلّى اللّه عليه و آله و سلّم قال: «فوق كلّ ذي برّ برّ حتّى يقتل في سبيل اللّه، فإذا قتل في سبيل اللّه فليس فوقه برّ»[٢].
[٢/ ٣٩٧٥] و من ثمّ ورد في الحديث: «إنّ أفضل الخلق بعد الرسل و الأوصياء هم الشهداء».[٣]
[١] آل عمران ٣: ١٦٩- ١٧٥.
[٢] الوسائل ١٥: ١٦- ١٧/ ١٩٩٢١/ ٢١؛ التهذيب ٦: ١٢٢/ ٢٠٩؛ الخصال: ٩/ ٣١؛ الكافي ٥: ٥٣/ ٢.
[٣] عن الإمام أمير المؤمنين عليه السّلام البحار ٢٢: ٢٨٢/ ٤١ و ٣٢: ٢٧٤/ ٢١٢؛ الكافي ١: ٤٥٠/ ٣٤.