التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ وَ هذَا النَّبِيُّ وَ الَّذِينَ آمَنُوا وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ[١].
و الآن يجيء الحديث عن إبراهيم و إسماعيل و إسحاق، و الحديث عن البيت الحرام و بنائه و عمارته و شعائره، في جوّه المناسب، لتقرير الحقائق الخالصة في ادّعاءات اليهود و النصارى و العرب جميعا حول هذه النسب و هذه الصلات. و لتقرير قضيّة القبلة الّتي ينبغي أن يتّجه إليها المسلمون.
كذلك تجيء المناسبة لتقرير حقيقة دين إبراهيم- و هو التوحيد الخالص- و فصل ما بينها و بين العقائد المشوّهة المنحرفة التي عليها أهل الكتاب و المشركون سواء .. و تقرير وحدة دين اللّه و اطّراده على أيدي رسله جميعا، و نفي فكرة احتكاره في أيدي أمّة أو جنس.
و هكذا فإنّ العقيدة هي تراث القلب المؤمن الواعي لا تراث العصبيّة العمياء. و إنّ وراثة هذا التراث لا تقوم على قرابة الدم و الجنس، و لكن على قرابة الإيمان و العقيدة الصادقة. فمن آمن بهذه العقيدة و رعاها في أيّ جيل و من أيّ قبيل فهو أحقّ بها من أبناء الصّلب و أقرباء العصب؟ فالدين دين اللّه، و ليس بين اللّه و بين أحد من عباده نسب و لا صهر!!
نعم إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ لَلَّذِينَ اتَّبَعُوهُ و اتّخذوه الحنيفيّة دينا لهم و مشوا على طريقته البيضاء النقيّة وَ هذَا النَّبِيُ نبيّ الإسلام وَ الَّذِينَ آمَنُوا معه هم خلفه الصالح، و من ثمّ فإنّهم الّذين ورثوه، و ورثوا عزّه و سؤدده، و نالتهم العناية الربّانية الشاملة وَ اللَّهُ وَلِيُّ الْمُؤْمِنِينَ.
*** هذه الحقائق التي تمثّل شطرا من الخطوط الأساسيّة في التصوّر الإسلامي، يجلّيها القرآن الكريم هنا في نسق من الأداء عجيب، و في عرض من الترتيب و التعبير بديع يسير بنا خطوة خطوة من لدن إبراهيم عليه السّلام منذ أن ابتلاه ربّه و اختبره فاستحقّ اختياره و اصطفاءه و تنصيبه للناس إماما إلى أن نشأت الأمّة المسلمة المؤمنة برسالة محمّد صلّى اللّه عليه و آله و سلّم استجابة من اللّه لدعوة إبراهيم و إسماعيل عليهما السّلام و هما يرفعان القواعد من البيت الحرام؛ فاستحقّت وراثة هذه الأمانة، دون ذرّيّة إبراهيم جميعا؛ بذلك السبب الوحيد الذي تقوم عليه وراثة العقيدة. سبب الإيمان بالرسالة، و حسن القيام عليها، و الاستقامة على تصوّرها الصحيح!
[١] آل عمران ٣: ٦٨.