التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣٣ - دواء الصبر
بحكم تقدير اللّه تعالى لاستدرار رحمته حتّى تستدرّ بها الأمطار في أوقات الاستسقاء، و هي لاستدرار أمطار المكاشفات و لطائف المعارف من خزائن الملكوت أشدّ مناسبة منها لاستدرار قطرات الماء و استجرار الغيوم من أقطار الجبال و البحار، بل الأحوال و المكاشفات حاضرة معك في قلبك، و إنّما أنت مشغول عنها بعلائقك و شهواتك فصار ذلك حجابا بينك و بينها، فلا تحتاج إلّا إلى أن تنكسر الشهوة و يرفع الحجاب فتشرق أنوار المعارف من باطن القلب. و إظهار ماء الأرض بحفر القنى أسهل و أقرب من استرسال الماء إليها من مكان بعيد منخفض عنها. و لكونه حاضرا في القلب و منسيّا بالشغل عنه سمّى اللّه تعالى جميع معارف الإيمان تذكّرا، فقال تعالى: إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَ إِنَّا لَهُ لَحافِظُونَ[١] و قال تعالى: وَ لِيَتَذَكَّرَ أُولُوا الْأَلْبابِ[٢] و قال تعالى: وَ لَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ[٣] فهذا هو علاج الصبر عن الوساوس و الشواغل و هو آخر درجات الصبر، و إنّما الصبر عن العلائق كلّها مقدّم على الصبر عن الخواطر.
قال الجنيد رحمه اللّه: السير من الدنيا إلى الآخرة سهل على المؤمن، و هجران الخلق في حبّ الحقّ شديد، و السير من النفس إلى اللّه تعالى صعب شديد، و الصبر مع اللّه أشدّ. فذكر شدّة الصبر عن شواغل القلب ثمّ شدّة هجران الخلق.
و أشدّ العلائق على النفس علاقة الخلق و حبّ الجاه. فإنّ لذّة الرئاسة و الغلبة و الاستعلاء و الاستتباع أغلب اللّذّات في الدنيا على نفوس العقلاء، و كيف لا تكون أغلب اللّذّات و مطلوبها صفة من صفات اللّه تعالى و هي الربوبيّة؟ و الربوبيّة محبوبة و مطلوبة بالطبع للقلب، لما فيه من المناسبة لأمور الربوبيّة، و عنه العبارة بقوله تعالى: قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي[٤] و ليس القلب مذموما على حبّه ذلك و إنّما هو مذموم على غلط وقع له بسبب تغرير الشيطان المبعد عن عالم الأمر، إذ حسده، على كونه من عالم الأمر. فأضلّه و أغواه، و كيف يكون مذموما عليه و هو يطلب سعادة الآخرة؟ فليس يطلب إلّا بقاء لا فناء فيه. و عزّا لا ذلّ فيه، و أمنا لا خوف فيه، و غنى لا فقر فيه، و كمالا لا نقصان فيه! و هذه كلّها من أوصاف الربوبيّة. و ليس مذموما على طلب ذلك، بل حقّ كلّ عبد أن يطلب ملكا عظيما لا آخر له. و طالب الملك طالب للعلوّ و العزّ و الكمال لا محالة. و لكن
[١] الحجر ١٥: ٩.
[٢] سورة ص ٣٨: ٢٩.
[٣] القمر ٥٤: ١٧.
[٤] الإسراء ١٧: ٨٥.