التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٣ - سورة البقرة(٢) الآيات ١٢٤ الى ١٤١
فيما سبق من آيات كان الجدل مع أهل الكتاب دائرا حول سيرة بني إسرائيل و مواقفهم المتعنّتة مع أنبيائهم و في العمل بشرائعهم و في مواثيقهم و عهودهم ما بين نبذ و نقض و تمرّد و عصيان، ابتداء من عهد موسى عليه السّلام فإلى عهد ظهور الإسلام و أكثره عن اليهود، و شيء عن النصارى إلى جنب تمرّدات المشركين، عند السمات التي كانوا يلتقون فيها مع اليهود و سائر أهل الكتاب.
و الآن يرجع السياق إلى مرحلة تاريخيّة أسبق من تاريخ اليهود، يرجع إلى عهد إبراهيم الخليل عليه السّلام و قصّة إبراهيم- على النحو الذي تساق به في موضعها هنا- تؤدّي دورها في السياق، كما تؤدّي دورها فيما يعود إلى الجدل بين اليهود و الجماعة المسلمة في المدينة من نزاع حادّ متشعّب الأطراف.
إنّ بني إسرائيل ليرجعون بأصولهم إلى إبراهيم عن طريق إسحاق، و يعتزّون بنسبتهم إليه، و بوعده تعالى له و لذرّيّته بالنموّ و البركة، و عهده معه و مع ذرّيّته من بعده، و من ثمّ فيحتكرون لأنفسهم الهداية و القوامة على الدين، كما كانوا يحتكرون لأنفسهم الجنّة أيّا كان ما يعملون!!
هذا و قريش أيضا كانت لترجع بأصولها إلى إبراهيم عن طريق إسماعيل، و تعتزّ بنسبتها إليه، و تستمدّ منها القوامة على البيت و عمارة المسجد الحرام، و تستمدّ كذلك سلطانها الديني على العرب، و فضلها و شرفها و مكانتها!!
الأمر الذي جعل القبيلين يصطدمان في الاحتكار بأصول الاعتزاز و الشرف و النبل.
و من ثمّ و للفصل بين الموقفين يجب عرض هذه الأصول و مدى امتدادها- شرفا و عزّا- في أيّ القبيلين؟! أو لا ذا و لا ذاك، و إنّما يعتزّ الأبناء بشرف الآباء، إذا ما حفظوا على السمات الأولى التي كان الآباء يملكونها و كانت موضع عزّهم و شرفهم و إلّا فربّ ولد هو شرّ خلف لخير سلف!؟
إذن فالعزّ و الشرف إنّما يرثهما الأخلاف المتّبعون لآثار الأسلاف. إِنَّ أَوْلَى النَّاسِ بِإِبْراهِيمَ