التفسير الأثرى الجامع - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٥ - مراتب الصبر
و تمنّى على اللّه»[١].
و صاحب هذه الحالة إذا وعظ قال: أنا مشتاق إلى التوبة و لكنّها قد تعذّرت عليّ، فلست أطمع فيها، أو لم يكن مشتاقا إلى التوبة و لكن قال: إنّ اللّه غفور رحيم كريم، فلا حاجة به إلى توبتي.
و هذا المسكين قد صار عقله رقيقا[٢] لشهوته، فلا يستعمل عقله إلّا في استنباط دقائق الحيل الّتي بها يتوصّل إلى قضاء شهوته، فقد صار عقله في يد شهواته كمسلم أسير في أيدي الكفّار، فهم يستسخرونه في رعاية الخنازير و حفظ الخمور و حملها، و محلّه عند اللّه تعالى محلّ من يقهر مسلما و يسلّمه إلى الكفّار و يجعله أسيرا عندهم؛ لأنّه بفاحش جنايته يشبه أنّه سخر ما كان حقّه أن لا يستسخر، و سلّط ما حقّه أن لا يتسلّط عليه، و إنّما استحقّ المسلم أن يكون متسلّطا لما فيه من معرفة اللّه و باعث الدين، و إنّما استحقّ الكافر أن يكون مسلّطا عليه لما فيه من الجهل بالدين و باعث الشياطين، و حقّ المسلم على نفسه أوجب من حقّ غيره عليه. فمهما سخّر المعنى الشريف الّذي هو من حزب اللّه و جند الملائكة للمعنى الخسيس الّذي هو من حزب الشياطين المبعدين عن اللّه تعالى، كان كمن أرقّ مسلما لكافر، بل هو كمن قصد الملك المنعم عليه فأخذ أعزّ أولاده و سلّمه إلى أبغض أعدائه، فانظر كيف يكون كفرانه لنعمته و استيجابه[٣] لنقمته؛ لأنّ الهوى أبغض إله عبد في الأرض عند اللّه تعالى، و العقل أعزّ موجود خلق على وجه الأرض!
الحالة الثالثة: أن يكون الحرب سجالا بين الجندين فتارة له اليد عليها. و تارة لها عليه، و هذا من المجاهدين، يعدّ مثله لا من الظافرين، و أهل هذه الحالة هم الّذين: خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً عَسَى اللَّهُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ[٤].
هذا باعتبار القوّة و الضعف. و يتطرّق إليه أيضا ثلاثة أحوال باعتبار عدد ما يصبر عنه؛ فإنّه إمّا أن يغلب جميع الشهوات أو لا يغلب شيئا منها، أو يغلب بعضها دون بعض. و تنزيل قوله تعالى:
خَلَطُوا عَمَلًا صالِحاً وَ آخَرَ سَيِّئاً على من عجز عن بعض الشهوات دون بعض أولى. و التاركون للمجاهدة مع الشهوات مطلقا يشبهون بالأنعام بل هم أضلّ سبيلا، إذ البهيمة لم تخلق لها المعرفة
[١] الترمذي ٤: ٥٤/ ٢٥٧٧؛ و فيه:« العاجز» بدل« الأحمق».
[٢] رقيقا: عبدا.
[٣] أي استحقاقه للنقمة و السخط.
[٤] التوبة ٩: ١٠٢.