فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٥٨١ - الأمر الأول في اشتراط التناول
لحماً فأكل من مرقته فعليه الحدّ، لأنّ عين الخمر موجودة، و كذلك إن لتّ به سويقاً فأكله.
و إن عجن به دقيقاً ثمّ خبزه فأكله لم يحدّ، لأنّ النار أكلت أجزاء الخمر فلم يبق إلّا أثره؛ و إن احتقن بالخمر لم يحدّ، لأنّه ليس بشرب و لا أكل، و لأنّه لم يصل إلى حلقه فأشبه ما لو داوى به جرحه. و إن استعط به فعليه الحدّ، لأنّه أوصله إلى باطنه من حلقه، و لذلك نشر الحرمة في الرضاع دون الحقنة، و حكي عن أحمد أنّ على من احتقن به الحدّ، لأنّه أوصله إلى جوفه، و الأوّل أولى لما ذكرناه، و اللَّه أعلم.»[١]
و قال عبد القادر عودة: «و تعتبر المادّة مسكرة و لو خلطت بماء ما دامت مميّزاتها محفوظة، من رائحة و لون و طعم و تأثير، فإن خلطت بماء حتّى زالت كلّ مميّزاتها زوالًا تامّاً فلا يعتبر الخليط مسكراً، و إنّما هو ماء عند أبي حنيفة و الشافعيّ و أحمد.
و الراجح في مذهب مالك تحريم المخلوط و لو استهلك فيه المسكر. و يكفي لاعتبار الجاني شارباً أن يصل المشروب إلى حلقه، و من باب أولى إلى جوفه، فإن لم يصل المشروب إلى الحلق كأن تمضمض به ثمّ مجّه فلا يعتبر شارباً. و يشترط المالكيّة و الحنفيّة أن تصل الخمر إلى الجوف عن طريق الفم، فإن وصلت عن غير هذا الطريق، كالأنف أو الشرج مثلًا، درئ الحدّ للشبهة، على أنّ درء الحد لا يمنع من التعزير. و في مذهب الشافعيّ ثلاثة آراء، أحدها: كرأي المالكيّة، و الثاني: يحدّ و لو لم تصل الخمر للجوف عن طريق الفم كما لو استعط أو احتقن، و الثالث: يحدّ في السعوط دون الحقنة. و في مذهب أحمد رأيان: إنّ ما وصل عن طريق الحلق فيه الحدّ كالشرب و الاستعاط، و ما وصل عن طريق الشرج فلا حدّ فيه، و الرأي الثاني: يوجب الحدّ في الحالين.»[٢]
[١]- المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، ص ٣٢٩.
[٢]- التشريع الجنائيّ الإسلاميّ، ج ٢، صص ٥٠٢ و ٥٠٣- و راجع في هذا المجال: الفقه الإسلاميّ و أدلّته، ج ٦، ص ١٥٩- الفقه على المذاهب الأربعة، ج ٥، ص ٢٥.