فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٣٨٣ - الأمر الرابع في مطالبة الحد بعد العفو
و يعملوا بشرائعه.
ثمّ إنّه قد ينشأ الحقّان معاً عن الجريمة الواحدة، كما هو الحال في جريمة السرقة، فإنّه ينشأ عنها حقّ للَّه تعالى و هو حقّ الجماعة في عقاب الجاني، و حقّ للمجنيّ عليه في استرداد ماله المسروق أو أخذ مقابله.
و من المتّفق عليه أنّ جريمة القذف فيها حقّان: حقّ للَّه تعالى و حق للمقذوف، و لكنّ الفقهاء يختلفون في أنّ أيّ الحقّين هو الأقوى بالبيان التالي:
أ- إنّ أبا حنيفة يغلّب حقّ اللَّه على حقّ العبد، و يجعل الجريمة متعلّقة بحقّ اللَّه تعالى، و بالتالي فإنّ حدّ القذف عنده لا يورث، لأنّ الإرث يجري في حقوق الناس في ما كان مالًا أو متّصلًا بالمال. و أيضاً ينتج قوله أنّه ليس للمقذوف أن يعفو عن القاذف بعد ثبوت الجريمة عليه، فإن عفى كان عفوه باطلًا.
ب- الشافعيّ و أحمد يغلّبان حقّ العبد على حقّ اللَّه، لأنّ العبد في حاجة إلى حقّه أكثر من حاجة الجماعة إلى حقّها، و نتيجة ذلك أنّه يورث، و أيضاً للمقذوف أن يعفو عن القاذف إلى وقت إقامة الحدّ.
و هذا قول بعض الحنفيّة أيضاً.
ج- إنّ مالك يغلّب حقّ العبد قبل الشكوى، و يغلّب حقّ اللَّه تعالى بعد الشكوى، باعتبار أنّ حقّ الجماعة- الذي هو عبارة أخرى عن حقّ اللَّه- لا يبدأ في الظهور إلّا بعد الشكوى، فإذا لم تكن شكوًى فلا حقّ إلّا حقّ الآدميّ، و أمّا بعد الشكوى فيوجد حقّ الجماعة، و هو حقّ اللَّه.
و لهم في أمد العفو ثلاثة آراء، و هي:
أوّلها: أنّ العفو يصحّ إلى ما قبل بلوغه إلى الإمام، فإذا لم يعف المقذوف و بلغ الحادث إليه فلا عفو بعده.