فقه الحدود و التعزيرات - الموسوي الأردبيلي، السيد عبدالكريم - الصفحة ٤٦٦ - الأمر الثالث في كون السحر أمرا حقيقيا أو خياليا
سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى* فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى»[١]، و ذلك أنّ القوم جعلوا من الحبال كهيئة الحيّات، و طلوا عليها الزيبق، و أخذوا الموعد على وقت تطلع فيه الشمس، حتّى إذا وقعت على الزيبق تحرّك فخيّل لموسى أنّها حيّات تسعى، و لم يكن لها حقيقة، و كان هذا في أشدّ وقت السحر، فألقى موسى عصاه فأبطل عليهم السحر فآمنوا به. و أيضاً فإنّ الواحد منّا لا يصحّ أن يفعل في غيره، و ليس بينه و بينه اتّصال، و لا اتّصال بما اتّصل بما فعل فيه، فكيف يفعل من هو ببغداد فيمن هو بخراسان و أبعد منها؟! و لا ينفي هذا قوله تعالى: «وَ لكِنَّ الشَّياطِينَ كَفَرُوا يُعَلِّمُونَ النَّاسَ السِّحْرَ»[٢]، لأنّ ذلك لا يمنع منه، و إنّما الذي منعنا منه أن يؤثّر التأثير الذي يدّعونه، فأمّا أن يفعلوا ما يتخيّل عنده أشياء، فلا يمنع منه. و رووا عن عائشة أنّها قالت: مكث رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم ستّة أشهر، و في رواية أخرى أيّاماً يخيّل إليه أنّه يأتي النساء و لا يأتيهنّ، و ذكر تمام الحديث. و روى زيد بن أرقم قال: سَحَرَ رسولَ اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم رجلٌ من اليهود، و اشتكى من ذلك أيّاماً، فأتاه جبرئيل فقال له:
إنّ رجلًا من اليهود سحرك و عقد لك عقداً في بئر كذا، فبعث عليّاً فأخرجه، و كلّما حلّ منه عقداً وجد رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم راحة، فلمّا حلّ الكلّ فكأنّما نشط من عقال[٣]، و هذا نصّ.
و هذه أخبار آحاد لا يعمل عليها في هذا المعنى. و قد روي عن عائشة أنّها قالت: سُحِرَ رسول اللَّه صلى الله عليه و آله و سلم فما عمل فيه السحر، و هذا يعارض ذلك.»[٤]
و من كلامه هذا ظهر آراء بعض فقهاء السنّة أيضاً في المسألة في الجملة، و من أراد الاطّلاع على أقوالهم أزيد من ذلك فليراجع مظانّ البحث في كتبهم.[٥]
[١]- طه( ٢٠): ٦٦ و ٦٧.
[٢]- البقرة( ٢): ١٠٢.
[٣]- راجع: سنن النسائي، ج ٧، صص ١١٢ و ١١٣، و ليس فيه قوله:« فبعث عليّاً فأخرجه».
[٤]- كتاب الخلاف، المصدر السابق.
[٥]- راجع: المغني و يليه الشرح الكبير، ج ١٠، صص ١١٣ و ١١٤- الفقه على المذاهب الأربعة، ج ٥، صص ٤٦٠-/ ٤٧٠- أحكام القرآن للجصّاص، ج ١، صص ٥٠-/ ٧٢.